فهرس الكتاب
ج / 3 ص -253- التَّكْبِيرِ، فَإِذَا حَاذَى كَفَّاهُ مَنْكِبَيْهِ انْحَنَى وَيَمُدُّ التَّكْبِيرَ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى حَدِّ الرَّكْعَتَيْنِ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَنُصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَقَطَعَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ. وَحَكَى جَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ قَوْلَيْنِ. أَحَدُهُمَا: هَذَا هُوَ الْجَدِيدُ وَالثَّانِي: وَهُوَ الْقَدِيمُ. لَا يَمُدُّ التَّكْبِيرَ بَلْ يَشْرَعُ بِهِ، قَالُوا: وَالْقَوْلَانِ جَارِيَانِ فِي جَمِيعِ تَكْبِيرَاتِ الِانْتِقَالَاتِ، وَهَلْ تُحْذَفُ أَمْ تُمَدُّ، حَتَّى يَصِلَ إلَى الذِّكْرِ الَّذِي بَعْدَهَا؟ الصَّحِيحُ: الْمَدُّ، وَلَوْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا حَتَّى رَكَعَ لَمْ يَأْتِ بِهِ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ.
فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي تَكْبِيرَاتِ الِانْتِقَالَاتِ
اعْلَمْ: أَنَّ الصَّلَاةَ الرُّبَاعِيَّةَ يُشْرَعُ فِيهَا اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ تَكْبِيرَةً، مِنْهَا خَمْسُ تَكْبِيرَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَرْبَعٌ لِلسَّجْدَتَيْنِ وَالرَّفْعَيْنِ مِنْهَا، وَالْخَامِسَةُ لِلرُّكُوعِ فَهَذِهِ عِشْرُونَ، وَتَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ وَتَكْبِيرَةُ الْقِيَامِ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا الثُّلَاثِيَّةُ فَيُشْرَعُ فِيهَا سَبْعَ عَشْرَةَ سَقَطَ مِنْهَا تَكْبِيرَاتُ رَكْعَةٍ وَهُنَّ خَمْسٌ وَأَمَّا الثُّنَائِيَّةُ: فَيُشْرَعُ فِيهَا إحْدَى عَشْرَةَ لِلرَّكْعَتَيْنِ وَتَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ، وَهَذِهِ كُلُّهَا عِنْدَنَا سُنَّةٌ إلَّا تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ فَهِيَ فَرْضٌ، هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدهمْ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَبِهَذَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ1 جَابِرٍ وَقَيْسُ بْنُ عَبَّادٍ وَشُعَيْبٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَنَقَلَ أَصْحَابُنَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا يُشْرَعُ إلَّا تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ فَقَطْ، وَلَا يُكَبَّرُ غَيْرُهَا، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَيْضًا عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ بَطَّالٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ جَمَاعَاتٍ مِنْ السَّلَفِ مِنْهُمْ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَابْنُ سِيرِينَ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَسَالِمٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَمَّا قَوْلُ الْبَغَوِيِّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى هَذِهِ التَّكْبِيرَاتِ، فَلَيْسَ كَمَا قَالَ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ مَا نَقَلْنَاهُ، أَوْ أَرَادَ اتِّفَاقَ الْعُلَمَاءِ بَعْدَ التَّابِعِينَ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ: الْإِجْمَاعُ بَعْدَ الْخِلَافِ يَرْفَعُ الْخِلَافَ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ مُتَأَخِّرِي الْأُصُولِيِّينَ وَبِهِ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ خَيْرَانَ وَالْقَفَّالُ وَالشَّاشِيُّ وَغَيْرُهُمَا.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: جَمِيعُ التَّكْبِيرَاتِ وَاجِبَةٌ، وَاحْتُجَّ لِأَحْمَدَ بِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي"وَثَبَتَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُكَبِّرُهُنَّ، وَاحْتُجَّ لِمَنْ أَسْقَطَهُنَّ غَيْرَ تَكْبِيرِ الْإِحْرَامِ بِحَدِيثٍ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عِمْرَانَ2 عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ: رضي الله عنه"أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَكَانَ لَا يُتِمُّ التَّكْبِيرَ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا هَكَذَا. وَفِي رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ زِيَادَةُ"لَا يُتِمُّ التَّكْبِيرَ يَعْنِي إذَا خَفَضَ وَإِذَا رَفَعَ"وَدَلِيلُنَا عَلَى أَحْمَدَ حَدِيثُ"الْمُسِيءُ صَلَاتَهُ"فَإِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَأْمُرْهُ بِتَكْبِيرَاتِ الِانْتِقَالَاتِ وَأَمَرَهُ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَأَمَّا فِعْلُهُ صلى الله عليه وسلم فَمَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 هو عبد الله بن جابر البياضي.
2 الحسن بن عمران قال أبو ادود السجستاني صاحب"السنن": قال ابن بشار الشامي هو أبو عبد الله العسقلاني.