فهرس الكتاب

الصفحة 1139 من 4102

ج / 3 ص -260- اخْتِلَافَ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ كَمَا تَوَهَّمَهُ هَذَا الْمُحْتَجُّ لَكَانَ رَفْعُ الْأَيْدِي فِي الِافْتِتَاحِ وَفِي تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ أَيْضًا مَنْهِيَّا عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ رَفْعًا، وَقَدْ بَيَّنَهُ حَدِيثُ أَبِي نُعَيْمٍ ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ رِوَايَةَ مُسْلِمٍ الَّتِي نَقَلْتُهَا الْآنَ، ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: فَلْيَحْذَرْ امْرُؤٌ أَنْ يَتَأَوَّلَ أَوْ يَتَقَوَّلَ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مَا لَمْ يَقُلْ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63]

وَأَمَّا قَوْلُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ:"لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي إلَّا فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ"فَجَوَابُهُ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ ضَعِيفٌ مُرْسَلٌ، وَهَذَا جَوَابُ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ وَأَوْضَحَهُ. الثَّانِي: أَنَّ هَذَا نَفْيٌ وَغَيْرُهُ إثْبَاتٌ وَهُوَ مُقَدَّمٌ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ عَنْهُ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ تَرْكُ السُّنَنِ، وَالْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ1 بِهِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ الرَّفْعَ ثَابِتٌ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ غَيْرِ هَذِهِ السَّبْعَةِ قَدْ بَيَّنَهَا الْبُخَارِيُّ بِأَسَانِيدِهِ، وَسَأُفَرِّعُ بِهَا بِفَرْعٍ مُسْتَقِلٍّ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَهَذَا تَنْقِيحُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَسْأَلَةِ وَدَلَائِلِهَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَأَخْتِمُهَا بِمَا خَتَمَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ رحمه الله تعالى، فَإِنَّهُ رَوَى عَنْ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرِ بْنِ إِسْحَاقَ الْفَقِيهِ قَالَ: قَدْ صَحَّ رَفْعُ الْيَدَيْنِ يَعْنِي فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ عَنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ثُمَّ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَلَيْسَ فِي نِسْيَانِ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ رَفْعَ الْيَدَيْنِ مَا يُوجِبُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةَ لَمْ يَرَوْا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَدْ نَسِيَ ابْنُ مَسْعُودٍ كَيْفِيَّةَ قِيَامِ الِاثْنَيْنِ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَنَسِيَ نَسْخَ التَّطْبِيقِ فِي الرُّكُوعِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِذَا نَسِيَ هَذَا كَيْفَ لَا يَنْسَى رَفْعَ الْيَدَيْنِ؟ ثُمَّ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الرَّبِيعِ قَالَ: قُلْتُ لِلشَّافِعِيِّ: مَا مَعْنَى رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرُّكُوعِ؟ فَقَالَ: مِثْلُ مَعْنَى رَفْعِهِمَا عِنْدَ الِافْتِتَاحِ تَعْظِيمًا لِلّهِ تَعَالَى وَسُنَّةً مُتَّبَعَةً نَرْجُو فِيهَا ثَوَابَ الله تَعَالَى، وَمِثْلُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَغَيْرِهِمَا.

وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ سُفْيَانِ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: اجْتَمَعَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ عِشَاءً فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لِلثَّوْرِيِّ: لِمَ لَا تَرْفَعُ يَدَيْكَ فِي خَفْضِ الرُّكُوعِ وَرَفْعِهِ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: أَرْوِي لَك عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تُعَارِضُنِي بِيَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ؟ وَيَزِيدُ رَجُلٌ ضَعِيفٌ، وَحَدِيثُهُ ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ، فَاحْمَرَّ وَجْهُ الثَّوْرِيِّ فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: كَأَنَّكَ كَرِهْتَ مَا قُلْتُ؟ قَالَ: نَعَمْ فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: قُمْ بِنَا إلَى الْمَقَامِ نَلْتَعِنُ أَيُّنَا عَلَى الْحَقِّ، فَتَبَسَّمَ الثَّوْرِيُّ لَمَّا رَأَى الْأَوْزَاعِيَّ قَدْ احْتَدَّ.

وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ عَنْ نَافِعٍ:"أَنَّ ابْنِ عُمَرَ كَانَ إذَا رَأَى رَجُلًا لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إذَا رَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ رَمَاهُ بِالْحَصَى"وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ: رضي الله عنها"أَنَّهَا كَانَتْ تَرْفَعُ يَدَيْهَا فِي الصَّلَاةِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهَا وَحِينَ تَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ وَحِينَ تَرْكَعُ، وَإِذَا قَالَتْ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَفَعَتْ يَدَيْهَا وَقَالَتْ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ"قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَنِسَاءُ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَعْلَمَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَبِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ:"رَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ تَزِيدُ بِهِ صَلَاتُكَ".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 كذا بالأصل ولعل في العبارة سقطا تقديره"مستفيضة"أو"ناطقة"والله أعلم (ط) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت