فهرس الكتاب
ج / 3 ص -265- رُكْبَتَيْهِ وَرَفَعَ ثُمَّ شَكَّ هَلْ انْحَنَى قَدْرًا تَصِلُ بِهِ رَاحَتَاهُ إلَى رُكْبَتَيْهِ أَمْ لَا؟ لَزِمَهُ إعَادَةُ الرُّكُوعِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ.
فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي حَدِّ الرُّكُوعِ.
مَذْهَبُنَا: أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَنْحَنِيَ بِحَيْثُ تَنَالُ رَاحَتَاهُ رُكْبَتَيْهِ، وَلَا يَجِبُ وَضْعُهُمَا عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ وَتَجِبُ الطُّمَأْنِينَةُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالِاعْتِدَالِ مِنْ الرُّكُوعِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَكْفِيهِ فِي الرُّكُوعِ أَدْنَى انْحِنَاءٍ، وَلَا يَجِبُ الطُّمَأْنِينَةُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْكَانِ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] وَالِانْخِفَاضُ وَالِانْحِنَاءُ قَدْ أَتَى بِهِ.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا وَالْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه فِي قِصَّةِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ: ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَهَذَا الْحَدِيثُ لِبَيَانِ أَقَلِّ الْوَاجِبَاتِ كَمَا سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ: صلى الله عليه وسلم"ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ"فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ ، قُلْنَا: هَذَا غَلَطٌ وَغَفْلَةٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ فِي آخِرِ مَرَّةٍ:"ارْجِعْ فَصَلِّ ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ"فَقَالَ لَهُ: عَلِّمْنِي فَعَلَّمَهُ، وَقَدْ سَبَقَ أَمْرُهُ لَهُ بِالْإِعَادَةِ ، فَلَا حَاجَةَ إلَى تَكْرَارِهِ.
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه"رَأَى رَجُلًا لَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فَقَالَ: مَا صَلَّيْتَ وَلَوْ مِتَّ مِتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهَا مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ حَدِيثُهُ فِي قِصَّةِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي فَصْلِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ النَّبِيُّ: صلى الله عليه وسلم"لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ الرَّجُلِ حَتَّى يُقِيمَ ظَهْرَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَهَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُد. وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ"لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ فِيهَا صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ"قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَالصُّلْبُ الظَّهْرُ. وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ، وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فَجَوَابُهُ: أَنَّهَا مُطْلَقَةٌ بَيَّنَتْ السُّنَّةُ الْمُرَادَ بِهَا فَوَجَبَ اتِّبَاعُهُ.
فرع: فِي الرُّكُوعِ
اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى كَرَاهَةِ التَّطْبِيقِ فِي الرُّكُوعِ إلَّا عَبْدَ الله بْنَ مَسْعُودٍ رضي الله عنه فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: التَّطْبِيقُ سُنَّةٌ، وَيُخْبِرُ أَنَّهُ قَدْ رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُهُ ، ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُ فِي"صَحِيحِ مُسْلِمٍ"، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ سَعْدٍ ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي النَّسْخِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ ، وَحَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ وَغَيْرِهِمَا. وَعَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ:"قَالَ لَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه إنَّ الرُّكَبَ قَدْ سُنَّتْ لَكُمْ فَخُذُوا بِالرُّكَبِ"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالنَّسَائِيُّ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ثَلَاثًا، وَذَلِكَ أَدْنَى