فهرس الكتاب

الصفحة 1148 من 4102

ج / 3 ص -269- وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، قَالَ صَاحِبُ"الْحَاوِي": وَهُوَ مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ كَافَّةً.

وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: التَّسْبِيحُ وَاجِبٌ إنْ تَرَكَهُ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ نَسِيَهُ لَمْ تَبْطُلْ، وَقَالَ دَاوُد: وَاجِبٌ مُطْلَقًا، وَأَشَارَ الْخَطَّابِيُّ فِي"مَعَالِمِ السُّنَنِ"إلَى اخْتِيَارِهِ، وَقَالَ أَحْمَدُ: التَّسْبِيحُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَقَوْلُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَرَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَالذِّكْرُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَجَمِيعُ التَّكْبِيرَاتِ وَاجِبَةٌ، فَإِنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهُ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ نَسِيَ لَمْ تَبْطُلْ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ عَنْهُ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أَنَّهُ سُنَّةٌ كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ. وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَهُ بِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْمَذْكُورِ فِي فَرْعِ أَذْكَارِ الرُّكُوعِ، وَبِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَفْعَلُهُ. وَقَالَ: صلى الله عليه وسلم"صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي"وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْقِرَاءَةِ.

وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ: بِحَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَلَّمَهُ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ، وَلَمْ يُعَلِّمْهُ هَذِهِ الْأَذْكَارَ، مَعَ أَنَّهُ عَلَّمَهُ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَالْقِرَاءَةَ، فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَذْكَارُ وَاجِبَةً لَعَلَّمَهُ إيَّاهَا، بَلْ هَذِهِ أَوْلَى بِالتَّعْلِيمِ، لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً؛ لِأَنَّهَا تُقَالُ سِرًّا وَتُخْفَى، فَإِذَا كَانَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ مَعَ ظُهُورِهِمَا لَا يُعَلِّمُهَا فَهَذِهِ أَوْلَى، وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ بِهَذِهِ الْأَذْكَارِ فَمَحْمُولَةٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى الْقِرَاءَةِ فَفَرَّقَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الْأَفْعَالَ فِي الصَّلَاةِ ضَرْبَانِ:

أَحَدُهُمَا: مُعْتَادٌ لِلنَّاسِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ الْقِيَامُ وَالْقُعُودُ، وَهَذَا لَا تَتَمَيَّزُ الْعِبَادَةُ فِيهِ عَنْ الْعَادَةِ فَوَجَبَ فِيهِ الذِّكْرُ لِيَتَمَيَّزَ.

وَالثَّانِي: غَيْرُ مُعْتَادٍ ، وَهُوَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ، فَهُوَ خُضُوعٌ فِي نَفْسِهِ مُتَمَيِّزٌ لِصُورَتِهِ عَنْ أَفْعَالِ الْعَادَةِ فَلَمْ يُفْتَقَرْ إلَى مُمَيَّزٍ وَالله أَعْلَمُ.

فرع: التَّسْبِيحُ فِي اللُّغَةِ مَعْنَاهُ التَّنْزِيهُ، قَالَ الْوَاحِدِيُّ: أَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ وَأَهْلُ الْمَعَانِي عَلَى أَنَّ مَعْنَى تَسْبِيحِ الله تَعَالَى تَنْزِيهُهُ وَتَبْرِئَتُهُ مِنْ السُّوءِ، قَالَ: وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ التَّبْعِيدُ مِنْ قَوْلِكَ: سَبَحْتُ فِي الْأَرْضِ إذَا بَعُدْتَ فِيهَا، وَسُبْحَانَ الله مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ عِنْدَ الْخَلِيلِ وَالْفَرَّاءِ، كَأَنَّكَ قُلْتَ: سُبْحَانًا وَتَسْبِيحًا فَجُعِلَ السُّبْحَانُ مَوْضِعَ التَّسْبِيحِ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: سَبَّحْتُ اللَّهَ سُبْحَانًا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَالْمَصْدَرُ التَّسْبِيحُ، وَسُبْحَانَ اسْمٌ يَقُومُ مَقَامَ الْمَصْدَرِ، وَبِحَمْدِهِ سَبَّحْتُهُ فَحَذَفَ سَبَّحْتُهُ اخْتِصَارًا، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: وَبِحَمْدِهِ حَالًا أَيْ حَامِدًا سَبَّحْتُهُ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: وَبِحَمْدِهِ أَبْتَدِئُ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ: أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الرُّكُوعِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ فِي الرَّفْعِ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، فَإِنْ قَالَ: مَنْ حَمِدَ اللَّهَ سَمِعَ اللَّهُ لَهُ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِاللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، فَإِذَا اسْتَوَى قَائِمًا اُسْتُحِبَّ أَنْ يَقُولَ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ، وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ حَقٌّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، كُلُّنَا لَك عَبْدٌ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ، لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"كَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَالَ ذَلِكَ"وَيَجِبُ أَنْ يَطْمَئِنَّ قَائِمًا، لِمَا رَوَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت