فهرس الكتاب

الصفحة 1149 من 4102

ج / 3 ص -270- رِفَاعَةُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَلْيَتَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى أَنْ قَالَ - ثُمَّ لِيَرْكَعْ حَتَّى يَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ لِيَقُمْ حَتَّى يَطْمَئِنَّ قَائِمًا، ثُمَّ لِيَسْجُدْ حَتَّى يَطْمَئِنَّ سَاجِدًا".

الشرح: أَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِهِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ:"أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَك عَبْدٌ"بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ فِي أَحَقَّ وَوَاوٍ فِي"وَكُلُّنَا"هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَسَائِرُ الْمُحَدِّثِينَ، وَوَقَعَ فِي الْمُهَذَّبِ وَكُتُبِ الْفِقْهِ"حَقٌّ مَا قَالَ الْعَبْدُ كُلُّنَا"بِحَذْفِ الْأَلِفِ وَالْوَاوِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُنْتَظِمَ الْمَعْنَى لَكِنَّ الصَّوَابَ مَا ثَبَتَ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ رحمه الله: مَعْنَاهُ"أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ"قَوْلُهُ:"لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ"إلَى آخِرِهِ، وَقَوْلُهُ:"وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ"، فَاعْتِرَاضٌ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ، قَالَ أَبُو دَاوُد: أَوْ يَكُونُ قَوْلُهُ:"أَحَقُّ مَا قَالَ"خَبَرًا لِمَا قَبْلَهُ أَيْ قَوْلُهُ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ إلَى آخِرِهِ"أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ"، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَهَذَا الَّذِي رَجَّحَهُ هُوَ الرَّاجِحُ الَّذِي يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ لِمَا فِيهِ مِنْ كَمَالِ التَّفْوِيضِ إلَى الله تَعَالَى وَالِاعْتِرَافِ بِكَمَالِ قُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ وَقَهْرِهِ وَسُلْطَانِهِ وَانْفِرَادِهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَتَدْبِيرِ مَخْلُوقَاتِهِ.

وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَحَدِيثُ رِفَاعَةَ صَحِيحٌ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ بِطُولِهِ فِي فَصْلِ الْقِرَاءَةِ، لَكِنْ وَمَعَ هُنَا"حَتَّى تَطْمَئِنَّ قَائِمًا"وَاَلَّذِي فِي الْحَدِيثِ"حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا".

أَمَّا أَلْفَاظُ الْفَصْلِ: فَقَوْلُهُ: لِأَنَّهُ أَتَى بِاللَّفْظِ وَالْمَعْنَى. احْتِرَازٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي التَّكْبِيرِ أَكْبَرُ اللَّهُ، فَإِنَّهُ لَا تُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِاللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى، وَقَوْلُهُ:"سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"أَيْ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُ حَمْدَهُ وَجَازَاهُ بِهِ، وَقَوْلُهُ:"مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ"هُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَيَجُوزُ نَصْبُ آخِرِهِ وَرَفْعُهُ مِمَّنْ ذَكَرَهُمَا جَمِيعًا ابْنُ خَالَوَيْهِ وَآخَرُونَ، وَحُكِيَ عَنْ الزَّجَّاجِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا الرَّفْعُ، وَرَجَّحَ ابْنُ خَالَوَيْهِ وَالْأَكْثَرُونَ النَّصْبَ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ أَيْ مَالِئًا، وَتَقْدِيرُهُ لَوْ كَانَ جِسْمًا لَمَلَأ ذَلِكَ، وَقَدْ بَسَطْتُ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي"تَهْذِيبِ اللُّغَاتِ"، وَذَكَرْتُ قَوْلَ الزَّجَّاجِ وَابْنِ خَالَوَيْهِ وَغَيْرِهِمَا. وَقَوْلُهُ:"أَهْلَ"مَنْصُوبٌ عَلَى النِّدَاءِ، وَقِيلَ وَيَجُوزُ رَفْعُهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْتَ أَهْلٌ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، وَالثَّنَاءُ: الْمَجْدُ، وَالْمَجْدُ: الْعَظَمَةُ، وَقَوْلُهُ:"لَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ"هُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ بِكَسْرِهَا وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَالْجَدُّ: الْحَظُّ وَالْمَعْنَى لَا يَنْفَعُ ذَا الْمَالِ وَالْحَظِّ وَالْغِنَى غِنَاهُ، وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ عِقَابِكَ، وَإِنَّمَا يَنْفَعُهُ وَيَمْنَعُهُ مِنْ عِقَابِكَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَعَلَى رِوَايَةِ الْكَسْرِ يَكُونُ مَعْنَاهُ لَا يَنْفَعُ ذَا الْإِسْرَاعِ فِي الْهَرَبِ إسْرَاعُهُ وَهَرَبُهُ، وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي"تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ": وَقَوْلُهُ: رِفَاعَةُ بْنُ مَالِكٍ كَذَا هُوَ فِي"الْمُهَذَّبِ"، وَاَلَّذِي فِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِمَا رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بَلْ هَذَا فِي فَصْلِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ هُنَاكَ.

أَمَّا حُكْمُ الْفَصْلِ: فَالِاعْتِدَالُ مِنْ الرُّكُوعِ فَرْضٌ وَرُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، لَا تَصِحُّ إلَّا بِهِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا، وَقَدْ يُتَعَجَّبُ مِنْ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ كَأَنَّهُ تَرَكَهُ لِاسْتِغْنَائِهِ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: وَيَجِبُ أَنْ يَطْمَئِنَّ قَائِمًا. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَالِاعْتِدَالُ الْوَاجِبُ هُوَ أَنْ يَعُودَ بَعْدَ رُكُوعِهِ إلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا قَبْلَ الرُّكُوعِ، سَوَاءٌ أَصَلَّى قَائِمًا أَمْ قَاعِدًا ، فَلَوْ رَكَعَ عَنْ قِيَامٍ فَسَقَطَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت