فهرس الكتاب
ج / 3 ص -271- فِي رُكُوعِهِ نَظَرَ إنْ لَمْ يَطْمَئِنَّ مِنْ رُكُوعِهِ لَزِمَهُ أَنْ يَعُودَ إلَى الرُّكُوعِ وَيَطْمَئِنَّ، ثُمَّ يَعْتَدِلَ مِنْهُ، وَإِنْ اطْمَأَنَّ لَزِمَهُ أَنْ يَنْتَصِبَ قَائِمًا فَيَعْتَدِلَ ثُمَّ يَسْجُدَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ إلَى الرُّكُوعِ فَإِنْ عَادَ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ زَادَ رُكُوعًا، وَلَوْ رَفَعَ الرَّاكِعُ رَأْسَهُ ثُمَّ سَجَدَ وَشَكَّ هَلَّ تَمَّ اعْتِدَالُهُ؟ لَزِمَهُ أَنْ يَعُودَ إلَى الِاعْتِدَالِ ثُمَّ يَسْجُدَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِاعْتِدَالِ. وَيَجِبُ أَنْ لَا يَقْصِدَ بِارْتِفَاعِهِ مِنْ الرُّكُوعِ شَيْئًا غَيْرَ الِاعْتِدَالِ، فَلَوْ رَأَى فِي رُكُوعِهِ حَيَّةً وَنَحْوَهَا فَرَفَعَ فَزَعًا مِنْهَا لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُطَوِّلَ الِاعْتِدَالَ زِيَادَةً عَلَى الْقَدْرِ الْمَشْرُوعِ لِأَذْكَارِهِ، فَإِنْ طَوَّلَ زِيَادَةً عَلَيْهِ فَفِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ خِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَوْ أَتَى بِالرُّكُوعِ الْوَاجِبِ فَعَرَضَتْ عِلَّةٌ مَنَعَتْهُ مِنْ الِانْتِصَابِ سَجَدَ مِنْ رُكُوعِهِ، وَسَقَطَ عَنْهُ الِاعْتِدَالُ لِتَعَذُّرِهِ، فَلَوْ زَالَتْ الْعِلَّةُ قَبْلَ بُلُوغِ جَبْهَتِهِ مِنْ الْأَرْضِ وَجَبَ أَنْ يَرْتَفِعَ وَيَنْتَصِبَ قَائِمًا وَيَعْتَدِلَ ثُمَّ يَسْجُدَ، وَإِنْ زَالَتْ بَعْدَ وَضْعِ جَبْهَتِهِ عَلَى الْأَرْضِ لَمْ يَرْجِعْ إلَى الِاعْتِدَالِ بَلْ سَقَطَ عَنْهُ، فَإِنْ خَالَفَ وَعَادَ إلَيْهِ قَبْلَ تَمَامِ سُجُودِهِ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا لَمْ تَبْطُلْ، وَيَعُودُ إلَى السُّجُودِ، وَتَجِبُ الطُّمَأْنِينَةُ فِي الِاعْتِدَالِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا.
وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: فِي قَلْبِي مِنْ إيجَابِهَا شَيْءٌ، وَسَبَبُهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ"حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا"وَقَالَ فِي بَاقِي الْأَرْكَانِ: حَتَّى تَطْمَئِنَّ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَطْمَئِنُّ، وَقَالَ:"صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي"هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِوَاجِبِ الِاعْتِدَالِ وَأَمَّا أَكْمَلُهُ وَمَنْدُوبَاتُهُ، فَمِنْهَا أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي صِفَةِ الرَّفْعِ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَيَكُونُ ابْتِدَاءُ رَفْعِهِمَا مَعَ ابْتِدَاءِ الرَّفْعِ، وَدَلِيلُ الرَّفْعِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَعَ غَيْرِهِ مِمَّا سَبَقَ فِي فَصْلِ الرُّكُوعِ، وَسَبَقَ هُنَاكَ بَيَانُ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ، فَإِذَا اعْتَدَلَ قَائِمًا حَطَّ يَدَيْهِ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَقُولَ فِي حَالِ ارْتِفَاعِهِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي"الْأُمِّ"وَالْأَصْحَابُ: فَإِنْ قَالَ:"مَنْ حَمِدَ اللَّهَ سَمِعَ لَهُ"أَجْزَأَهُ فِي تَحْصِيلِ هَذِهِ السَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِاللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ فِي التَّكْبِيرَةِ أَكْبَرُ اللَّهُ، فَإِنَّهُ لَا يُجْزِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ يُحِيلُ مَعْنَاهُ بِالتَّنْكِيسِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: لَكِنَّ قَوْلَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ الَّذِي وَرَدَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ، فَإِذَا اسْتَوَى قَائِمًا اُسْتُحِبَّ أَنْ يَقُولَ:"رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَك عَبْدُ: لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ".
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ:"يَسْتَوِي فِي اسْتِحْبَابِ هَذِهِ الْأَذْكَارِ كُلِّهَا الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ وَالْمُنْفَرِدُ، فَيَجْمَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيْنَ قَوْلِهِ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ وَرَبَّنَا لَك الْحَمْدُ إلَى آخِرِهِ"وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا، لَكِنْ قَالَ الْأَصْحَابُ: إنَّمَا يَأْتِي الْإِمَامُ بِهَذَا كُلِّهِ إذَا رَضِيَ الْمَأْمُومُونَ بِالتَّطْوِيلِ وَكَانُوا مَحْصُورِينَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الَّذِي فِي رِوَايَةِ الْمُحَدِّثِينَ"أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَك عَبْدٌ"وَاَلَّذِي فِي كُتُبِ الْفِقْهِ"حَقٌّ مَا قَالَ الْعَبْدُ كُلُّنَا"بِخِلَافِ الْأَلِفِ وَالْوَاوِ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحُ الْمَعْنَى، لَكِنَّ الْمُخْتَارَ مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ،