فهرس الكتاب
ج / 3 ص -277- وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي"الْأُمِّ". قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي"التَّبْصِرَةِ": وَشَرْطُ جَوَازِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ فِي إزَالَةِ الْعِصَابَةِ، وَلَوْ عَصَبَ عَلَى جَبْهَتِهِ عِصَابَةً مَشْقُوقَةً لِحَاجَةٍ أَوْ لِغَيْرٍ حَاجَةٍ وَسَجَدَ وَمَاسَّ مَا بَيْنَ شِقَّيْهَا شَيْئًا مِنْ جَبْهَتِهِ الْأَرْضَ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ الْقَدْرُ، وَكَذَا لَوْ سَجَدَ وَعَلَى جَبْهَتِهِ ثَوْبٌ مُخَرَّقٌ فَمَسَّ مِنْ جَبْهَتِهِ الْأَرْضَ أَجْزَأَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي"الْأُمِّ"وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَيَجِيءُ فِيهِ الْوَجْهُ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ كَجٍّ.
فرع: إذَا سَجَدَ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ أَوْ كُمِّهِ وَنَحْوِهِمَا فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ سُجُودَهُ بَاطِلٌ، فَإِنْ تَعَمَّدَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِتَحْرِيمِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا لَمْ تَبْطُلْ، لَكِنْ يَجِبُ إعَادَةُ السُّجُودِ، هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا، مِنْهُمْ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي"التَّبْصِرَةِ".
فرع: السُّنَّةُ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى أَنْفِهِ مَعَ جَبْهَتِهِ. قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَضَعَهُمَا عَلَى الْأَرْضِ دَفْعَةً وَاحِدَةً لَا يُقَدِّمُ أَحَدَهُمَا، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى أَنْفِهِ دُونَ شَيْءٍ مِنْ جَبْهَتِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْجَبْهَةِ أَجْزَأَهُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي"الْأُمِّ": كَرِهْتُ ذَلِكَ وَأَجْزَأَهُ، وَهَذَا مِنْ الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ. وَحَكَى صَاحِبُ"الْبَيَانِ"عَنْ الشَّيْخِ أَبِي يَزِيدَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهُ حَكَى قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ: إنَّهُ يَجِبُ السُّجُودُ عَلَى الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ جَمِيعًا، وَهَذَا غَرِيبٌ فِي الْمَذْهَبِ وَإِنْ كَانَ قَوِيًّا فِي الدَّلِيلِ.
فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي وُجُوبِ وَضْعِ الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ عَلَى الْأَرْضِ. أَمَّا الْجَبْهَةُ: فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى وُجُوبِهَا وَأَنَّ الْأَنْفَ لَا يُجْزِي عَنْهَا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَنْفِ، وَلَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَحَدِهِمَا، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يُحْفَظُ هَذَا عَنْ أَحَدٍ غَيْرَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَمَّا الْأَنْفُ فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ السُّجُودُ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ يُسْتَحَبُّ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ طَاوُسٍ وَعَطَاءٍ وَعِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَأَبِي ثَوْرٍ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالنَّخَعِيُّ وَإِسْحَاقُ: يَجِبُ السُّجُودُ عَلَى الْأَنْفِ مَعَ الْجَبْهَةِ. وَعَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ رِوَايَتَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ، وَاحْتُجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، عَلَى الْجَبْهَةِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى أَنْفِهِ - وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْجَبْهَةِ. وَاحْتُجَّ لِمَنْ أَوْجَبَهَا بِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ:"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا سَجَدَ أَمْكَنَ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ مِنْ الْأَرْضِ"وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ، وَبِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ:"أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعٍ: الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ: صلى الله عليه وسلم"أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي لَا يُصِيبُ أَنْفُهُ الْأَرْضَ فَقَالَ: لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُصِيبُ أَنْفُهُ مِنْ الْأَرْضِ مَا يُصِيبُ الْجَبِينُ".
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا فِي وُجُوبِ الْجَبْهَةِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي حُمَيْدٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَبِحَدِيثِ خَبَّابٍ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالسُّجُودِ التَّذَلُّلُ وَالْخُضُوعُ، وَلَا يَقُومُ الْأَنْفُ مَقَامَ الْجَبْهَةِ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَنْفِ صَرِيحًا لَا بِفِعْلٍ وَلَا بِقَوْلٍ. وَاحْتَجُّوا: فِي أَنَّ الْأَنْفَ لَا يَجِبُ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُطْلَقَةِ فِي الْأَمْرِ بِالْجَبْهَةِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْأَنْفِ، وَفِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ ضَعْفٌ؛ لِأَنَّ رِوَايَاتِ الْأَنْفِ زِيَادَةٌ مِنْ ثِقَةٍ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا، وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَنْ أَحَادِيثِ