فهرس الكتاب

الصفحة 1158 من 4102

ج / 3 ص -279- الْمَرْوِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"سَجَدَ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ"فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فَلَا يَثْبُتُ فِي هَذَا شَيْءٌ، وَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى بَاقِي الْأَعْضَاءِ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ وَضْعُهَا عَلَى قَوْلٍ، وَإِنْ وَجَبَ، فَفِي كَشْفِهَا مَشَقَّةٌ بِخِلَافِ الْجَبْهَةِ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَأَمَّا السُّجُودُ عَلَى الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ فَفِيهِ قَوْلَانِ أَشْهَرُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ الْإِيمَاءُ بِهَا إذَا عَجَزَ كَالْجَبْهَةِ، وَالثَّانِي: يَجِبُ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم:"أَمَرَ أَنْ يُسْجَدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ يَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ وَجَبْهَتِهِ"فَإِذَا قُلْنَا: بِهَذَا لَمْ يَجِبْ كَشْفُ الْقَدَمَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ؛ لِأَنَّ كَشْفَ الرُّكْبَةِ يُفْضِي إلَى كَشْفِ الْعَوْرَةِ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَالْقَدَمُ قَدْ يَكُونُ فِي الْخُفِّ فَكَشْفُهَا يُبْطِلُ الْمَسْحَ وَالصَّلَاةَ، وَأَمَّا الْيَدُ فَفِيهَا قَوْلَانِ الْمَنْصُوصُ: فِي الْكُتُبِ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهَا لَا تُكْشَفُ إلَّا لِحَاجَةٍ فَهِيَ كَالْقَدَمِ، وَقَالَ فِي السَّبَقِ وَالرَّمْيِ: قَدْ قِيلَ فِيهِ قَوْلٌ آخَرُ: إنَّهُ يَجِبُ لِحَدِيثِ خَبَّابٍ بْنِ الْأَرَتِّ رضي الله عنه.

الشرح: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَقَوْلُهُ: قَالَ فِي السَّبَقِ وَالرَّمْيِ، يَعْنِي قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ السَّبَقِ وَالرَّمْيِ، وَهُوَ كِتَابٌ مِنْ كُتُبِ"الْأُمِّ".

أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ: فَفِي وُجُوبِ وَضْعِ الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ نَصَّ عَلَيْهِمَا فِي"الْأُمِّ"، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَنَصَّ فِي"الْإِمْلَاءِ": أَنَّ وَضْعَهَا مُسْتَحَبٌّ لَا وَاجِبٌ، وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي الْأَصَحِّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: ظَاهِرُ حَدِيثِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ وَضْعُهَا، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْبَغَوِيُّ: هَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْأَشْهَرُ وَصَحَّحَهُ الْجُرْجَانِيُّ فِي"التَّحْرِيرِ"وَالرُّويَانِيُّ فِي"الْحِلْيَةِ"وَالرَّافِعِيُّ، وَصَحَّحَ جَمَاعَةٌ قَوْلَ الْوُجُوبِ، وَمِنْهُمْ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَصَاحِبُ"الْعُدَّةِ"وَالشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ، وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي"التَّبْصِرَةِ"، هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ وَهُوَ الرَّاجِحُ فِي الدَّلِيلِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ صَرِيحٌ فِي الْأَمْرِ بِوَضْعِهَا، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ، وَالْقَائِلُ الْأَوَّلُ يَحْمِلُ الْحَدِيثَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ لَهُ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ الْوُجُوبُ، فَلَا يُصْرَفُ عَنْهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ فَالْمُخْتَارُ الصَّحِيحُ: الْوُجُوبُ، وَقَدْ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله فِي"الْأُمِّ"إلَى تَرْجِيحِهِ كَمَا سَأَذْكُرُهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

ثُمَّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَوْضِعِ الْقَوْلَيْنِ فَقَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ: فِي الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ قَوْلَانِ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهَا، وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: فِي وُجُوبِ وَضْعِ الْيَدَيْنِ قَوْلَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجِبُ لَمْ يَجِبْ وَضْعُ الرُّكْبَتَيْنِ، وَإِلَّا فَقَوْلَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا تَجِبُ الرُّكْبَتَانِ فَالْقَدَمَانِ أُولَى، وَإِلَّا فَقَوْلَانِ، وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: أَنَّ الْمَذْهَبَ طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ فِي الْجَمِيعِ، وَأَنَّ مِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ خَصَّهُمَا بِالْيَدَيْنِ، وَقَالَ: لَا تَجِبُ الرُّكْبَتَانِ وَالْقَدَمَانِ، وَذَكَرَ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ قَوْلَ ابْنِ الْقَاصِّ: إنَّ فِي الْجَمِيعِ قَوْلَيْنِ، ثُمَّ قَالَ الْقَفَّالُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: هَذَا غَلَطٌ، وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ: أَنَّ وَضْعَ الرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافَ الْقَدَمَيْنِ وَاجِبٌ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي وُجُوبِ وَضْعِ الْيَدَيْنِ، وَهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ الْقَفَّالُ عَنْ الْأَصْحَابِ عَجِيبٌ غَرِيبٌ وَهُوَ غَلَطٌ بِلَا شَكٍّ ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْأَعْضَاءِ السِّتَّةِ فِي"الْأُمِّ"، وَصَرَّحَ الْأَصْحَابُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت