فهرس الكتاب
ج / 3 ص -296- الصَّحِيحَةِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ سَبَقَ بِطُولِهِ فِي فَصْلِ الرُّكُوعِ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم:"أَنَّهُ كَانَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَيَصْنَعُ مِثْلَ ذَلِكَ إذَا قَضَى قِرَاءَتَهُ وَأَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ، وَيَصْنَعُهُ إذَا رَفَعَ مِنْ الرُّكُوعِ، وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَإِذَا قَامَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ كَذَلِكَ وَكَبَّرَ"وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَآخَرُونَ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْأَكْثَرُونَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِ"الدُّعَاءِ"فِي أَوَاخِرَ كِتَابِهِ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد:"وَإِذَا قَامَ مِنْ السَّجْدَتَيْنِ"بَدَلَ الرَّكْعَتَيْنِ، وَالْمُرَادُ بِالسَّجْدَتَيْنِ الرَّكْعَتَانِ بِلَا شَكٍّ كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ الْبَاقِينَ، وَهَكَذَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ إلَّا الْخَطَّابِيَّ فَإِنَّهُ ظَنَّ أَنَّ الْمُرَادَ السَّجْدَتَانِ الْمَعْرُوفَتَانِ، ثُمَّ اُسْتُشْكِلَ الْحَدِيثُ وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْفُقَهَاءِ قَالَ بِهِ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى طُرُقِ رِوَايَتِهِ، وَلَوْ وَقَفَ عَلَيْهَا لَحَمَلَهُ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ كَمَا حَمَلَهُ الْأَئِمَّةُ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ:"كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ جَعَلَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ فَعَلَ ذَلِكَ، وَإِذَا رَفَعَ لِلسُّجُودِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَإِذَا قَامَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ فِيهِ رَجُلٌ فِيهِ أَدْنَى كَلَامٍ. وَقَدْ وَثَّقَهُ الْأَكْثَرُونَ وَقَدْ رَوَى لَهُ الْبُخَارِيُّ فِي"صَحِيحِهِ".
وَقَوْلُهُ:"رَفَعَ لِلسُّجُودِ"يَعْنِي رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ، قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ"رَفْعِ الْيَدَيْنِ"مَا زَادَهُ عَلِيٌّ وَأَبُو حُمَيْدٍ رضي الله عنهما فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم يَعْنِي وَابْنُ عُمَرَ: رضي الله عنهم أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"كَانَ يَرْفَعُ إذَا قَامَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ"كُلُّهُ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَحْكُوا صَلَاةً وَاحِدَةً، وَتَخْتَلِفُ رِوَايَاتُهُمْ فِيهَا بِعَيْنِهَا، مَعَ أَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ مَعَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا زَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَالزِّيَادَةُ مَقْبُولَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ"مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَالْآثَارِ": وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ: وَبِهَذَا أَقُولُ.
وَقَالَ صَاحِبُ"التَّهْذِيبِ": لَمْ يَذْكُر الشَّافِعِيُّ رَفْعَ الْيَدَيْنِ إذَا قَامَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ، وَمَذْهَبُهُ اتِّبَاعُ السُّنَّةِ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ وَقَدْ رَوَى جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ رَفْعَ الْيَدَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الْأَرْبَعَةِ، مِنْهُمْ عَلِيٌّ وَابْنُ عُمَرَ وَأَبُو حُمَيْدٍ بِحَضْرَةِ أَصْحَابِهِ، وَصَدَّقُوهُ كُلُّهُمْ عَلَى ذَلِكَ.
هَذَا كَلَامُ الْبَغَوِيِّ وَأَمَّا قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ فِي"التَّعْلِيقِ": انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ فَاسْتِدْلَالُهُ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى نَسْخِ الْحَدِيثِ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ وَلَمْ يَنْعَقِدْ الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ قَدْ ثَبَتَ الرَّفْعُ فِي الْقِيَامِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ عَنْ خَلَائِقَ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي حُمَيْدٍ مَعَ أَصْحَابِهِ الْعَشَرَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْبُخَارِيِّ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، فَحَصَلَ مِنْ مَجْمُوعِ مَا ذَكَرْتُهُ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْقَوْلُ بِاسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ إذَا قَامَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ، وَأَنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِثُبُوتِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَكَثْرَةِ رُوَاتِهَا مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ، وَالشَّافِعِيُّ قَائِلٌ بِهِ لِلْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْبَيْهَقِيُّ وَالله أَعْلَمُ.
فرع: ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هُنَا ابْنَ الْمُنْذِرِ وَهُوَ الْإِمَامُ الْمَشْهُورُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ النَّيْسَابُورِيُّ مِنْ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِنَا فِي زَمَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ وَطَبَقَتِهِ، تُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَثِمِائَةٍ، وَهُوَ