ج / 3 ص -356- وَعِشْرِينَ رضي الله عنه. قَوْلُهُ:"الْوِتْرُ حَقٌّ"أَيْ مَشْرُوعٌ مَأْمُورٌ بِهِ، وَالتَّهَجُّدُ هُوَ الصَّلَاةُ فِي اللَّيْلِ بَعْدَ النَّوْمِ.
فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي حُكْمِ الْوِتْرِ: مَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ بَلْ هُوَ سُنَّةٌ مُتَأَكِّدَةٌ، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ هُوَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً حَتَّى أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ. قَالَ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَحْدَهُ: هُوَ وَاجِبٌ وَلَيْسَ بِفَرْضٍ، فَإِنْ تَرَكَهُ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ أَثِمَ وَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي"تَعْلِيقِهِ": الْوِتْرُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَلَا وَاجِبٍ، وَبِهِ قَالَتْ الْأُمَّةُ كُلُّهَا إلَّا أَبَا حَنِيفَةَ فَقَالَ: هُوَ وَاجِبٌ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أَنَّهُ فَرْضٌ، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ فَقَالَا: هُوَ سُنَّةٌ. قَالَ أَبُو حَامِدٍ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَ أَبَا حَنِيفَةَ فِي هَذَا. وَاحْتَجَّ لَهُ بِحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ"إلَخْ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ قَرِيبًا. وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ أَوْتِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَعَنْ بُرَيْدَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا، الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا، الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةً فَحَافِظُوا عَلَيْهَا، وَهِيَ الْوِتْرُ"وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا"وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ:"كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ فَإِذَا أَوْتَرَ قَالَ: قُومِي فَأَوْتِرِي يَا عَائِشَةُ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَذَكَرُوا أَقْيِسَةً وَمُنَاسِبَاتٍ لَا حَاجَةَ إلَيْهَا مَعَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا وَالْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ الله رضي الله عنه قَالَ:"جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنْ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَقَالَ: هَلْ عَلِيَّ غَيْرُهَا؟ فَقَالَ: لَا إلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ، وَسَأَلَهُ عَنْ الزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ. وَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَالله لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ، وَاسْتَنْبَطَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَدِلَّةٍ أَحَدُهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَخْبَرَهُ أَنَّ الْوَاجِبَ مِنْ الصَّلَوَاتِ إنَّمَا هُوَ الْخَمْسُ الثَّانِي: قَوْلُهُ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ لَا الثَّالِثُ: قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم إلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْخَمْسِ إنَّمَا تَكُونُ تَطَوُّعًا الرَّابِعُ: أَنَّهُ قَالَ لَا أَزِيدُ وَلَا أَنْقُصُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ. وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ لَا يَأْثَمُ بِتَرْكِ غَيْرِ الْخَمْسِ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما:"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: اُدْعُهُمْ إلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ الله، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ1 فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 المحفوظ أن قوله"أطاعوك"جاءت في الفرائض والتكاليف، أما الأولى فهي"فإن هم أجابوك"لأن الطاعة فرع الإجابة وهو من الأدب النبوي الكريم (ط) .