ج / 3 ص -359- قَالَتْ:"كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إلَّا فِي آخِرِهَا"رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَا تُوتِرُوا بِثَلَاثٍ أَوْتِرُوا بِخَمْسٍ أَوْ بِسَبْعٍ وَلَا تَشَبَّهُوا بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ"رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ: إسْنَادُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ. وَالْأَحَادِيثُ فِي الْمَسْأَلَةِ كَثِيرَةٌ فِي"الصَّحِيحِ"وَفِيمَا ذَكَرْتُهُ كِفَايَةٌ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم التَّطَوُّعَ أَوْ الْوِتْرَ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ مَفْصُولَةٍ عَمَّا قَبْلَهَا، ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طُرُقٍ بِأَسَانِيدِهَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَتَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي أَيُّوبَ وَمُعَاوِيَةَ وَغَيْرِهِمْ رضي الله عنهم.
وَالْجَوَابُ عَمَّا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ حَدِيثِ الْبُتَيْرَاءِ أَنَّهُ ضَعِيفٌ وَمُرْسَلٌ وَعَنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ:"الْوِتْرُ ثَلَاثٌ"أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَوَازِ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا ثَلَاثٌ فَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ. وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ:"مَا أَجْزَأَتْ صَلَاةُ رَكْعَةٍ قَطُّ"أَنَّهُ لَيْسَ بِثَابِتٍ عَنْهُ وَلَوْ ثَبَتَ لَحُمِلَ عَلَى الْفَرَائِضِ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ ذَكَرَهُ رَدًّا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: إنَّ الْوَاجِبَ مِنْ الصَّلَاةِ الرَّبَاعِيَةِ فِي حَالِ الْخَوْفِ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ:"مَا أَجْزَأَتْهُ رَكْعَةٌ مِنْ الْمَكْتُوبَاتِ قَطُّ"وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِيتَارِ بِتِسْعِ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى الْجَوَازِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَالله أَعْلَمُ.
فرع: فِي مَذَاهِبِهِمْ فِيمَا يَقْرَأُ مَنْ أَوْتَرَ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ يَقْرَأُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الْأُولَى: سَبِّحْ، وَفِي الثَّانِيَةِ: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَفِي الثَّالِثَةِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ مَرَّةً، وَحَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُد. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا تُقْرَأُ الْمُعَوِّذَتَانِ، وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ مِثْلُهُ، وَنَقَلَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ. دَلِيلُنَا حَدِيثُ عَائِشَةَ رضي الله عنها الَّذِي احْتَجَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ فِي فَرْعِ بَيَانِ الْأَحَادِيثِ، وَاعْتَمَدُوا أَحَادِيثَ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الْمُعَوِّذَتَيْنِ، وَتَقَدَّمَ عَلَيْهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ بِإِثْبَاتِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ فَإِنَّ الزِّيَادَةَ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ وَالله أَعْلَمُ.
فرع: فِي مَذَاهِبِهِمْ فِيمَنْ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ هَلْ يَفْصِلُ الرَّكْعَتَيْنِ عَنْ الثَّلَاثَةِ بِسَلَامٍ؟ فَذَكَرْنَا اخْتِلَافَ أَصْحَابِنَا فِي الْأَفْضَلِ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَنَا أَنَّ الْفَصْلَ أَفْضَلُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَمُعَاذٍ الْقَارِئِ وَعَبْدِ الله بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ كِلَاهُمَا حَسَنٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تَجُوزُ إلَّا مَوْصُولَاتٍ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ الْأَدِلَّةِ عَلَيْهِ.
فرع: فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي الْقُنُوتِ فِي الْوِتْرِ، قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْقُنُوتُ فِيهِ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ خَاصَّةً، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ سِيرِينَ وَالزُّبَيْرِيُّ وَيَحْيَى1 ابْنُ وَثَّابٍ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالْحَسَنِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 يحيى بن وثاب الأسدي مولاهم الكوفي المقري يروي عن ابن عباس وابن عمر وعنه طلحة بن مصرف وأبو إسحاق والأعمش وثقة النسائي وقال أبو الشيخ: إمام في القراءة (ط) .