ج / 4 ص -97- السَّجْدَةِ الْأُولَى الرَّابِعَةُ: إذَا قَعَدَ الْإِمَامُ لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَانْتَصَبَ الْمَأْمُومُ قَائِمًا سَهْوًا أَوْ نَهَضَا لِلْقِيَامِ سَاهِيَيْنِ فَانْتَصَبَ الْمَأْمُومُ، وَعَادَ الْإِمَامُ إلَى الْجُلُوسِ قَبْلَ انْتِصَابِهِ فَفِي الْمَأْمُومِ وَجْهَانِ: مَشْهُورَانِ أَطْلَقَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَالْغَزَالِيُّ وَطَائِفَةٌ فَقَالُوا: أحدهما: يَرْجِعُ والثاني: لَا يَرْجِعُ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَآخَرُونَ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ: أصحهما: يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَى مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ والثاني: لَا يَجِبُ، وَقَطَعَ الْبَغَوِيّ بِوُجُوبِ الرُّجُوعِ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: أحدهما: يَجُوزُ الرُّجُوعُ والثاني: لَا يَجُوزُ قَالَ: وَلَمْ يُوجِبْ أَحَدٌ الرُّجُوعَ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَرَ نَقْلَ الْعِرَاقِيِّينَ فِي الْوُجُوبِ، وَيُحْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ الْوَجْهَيْنِ: فِي الْوُجُوبِ، وَفِي كَلَامِهِ إشَارَةٌ إلَيْهِ وَكَلَامُ الْغَزَالِيِّ عَلَى أَنَّهُمَا فِي الْجَوَازِ؛ لِأَنَّهُ نَقَلَ مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ وَحَاصِلُ الْخِلَافِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أصحهما: يَجِبُ الرُّجُوعُ والثاني: يَحْرُمُ والثالث: يَجُوزُ، وَلَا يَجِبُ. وَدَلِيلُ الْأَصَحِّ: أَنَّ مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ آكَدُ، ثُمَّ يَحْصُلُ مَعَهَا التَّشَهُّدُ، وَلَا يَفُوتُ الْقِيَامُ الَّذِي هُوَ فِيهِ بِخِلَافِ عَكْسِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْأَخِيرِ أَنَّ مَنْ تَلَبَّسَ بِفَرْضٍ لَا يَرْجِعُ إلَى سُنَّةٍ، وَلَا نُسَلِّمُ رُجُوعَهُ إلَى سُنَّةٍ بَلْ إلَى مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ الْوَاجِبَةِ، وَقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الْأَوْجُهُ مَعَ فُرُوعِهَا فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي تَلْقِينِ الْإِمَامِ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا: اسْتِحْبَابُهُ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانِ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عُمَرَ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ وَابْنِ مَعْقِلٍ بِالْقَافِ وَنَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ قَالَ: وَكَرِهَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَشُرَيْحٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: بِالتَّلْقِينِ أَقُولُ، وَقَدْ يُحْتَجُّ لِمَنْ كَرِهَهُ بِحَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قَالَ:"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَا عَلِيُّ"لَا تَفْتَحْ عَلَى الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ"وَدَلِيلُنَا عَلَى اسْتِحْبَابِهِ حَدِيثُ الْمُسَوَّرِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ السِّينِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ بْنُ يَزِيدَ الْمَالِكِيُّ الصَّحَابِيُّ رضي الله عنه قَالَ:"شَهِدْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ فِي الصَّلَوَاتِ فَتَرَكَ شَيْئًا لَمْ يَقْرَأْهُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَلَّا أَذْكَرْتَنِيهَا؟"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَلَمْ يُضَعِّفْهُ، وَمَذْهَبُهُ أَنَّ مَا لَمْ يُضَعِّفْهُ فَهُوَ حَسَنٌ عِنْدَهُ."
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى صَلَاةً فَقَرَأَ فِيهَا فَلُبِّسَ عَلَيْهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لِأَبِي أَصَلَّيْتَ مَعَنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ، فَمَا مَنَعَكَ؟"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ كَامِلِ الصِّحَّةِ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَأَمَّا حَدِيثُ النَّهْيِ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ الْكَارِهُونَ فَضَعِيفٌ جِدًّا لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْحَارِثَ الْأَعْوَرَ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ مَعْرُوفٌ بِالْكَذِبِ، وَلِأَنَّ أَبَا دَاوُد قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: لَمْ يَسْمَعْ أَبُو إِسْحَاقَ مِنْ الْحَارِثِ إلَّا أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ لَيْسَ هَذَا مِنْهَا
قال المصنف رحمه الله تعالى:"وَإِنْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ وَاسْتَخْلَفَ فَفِيهِ قَوْلَانِ: قَالَ فِي الْقَدِيمِ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَخْلَفَ كَانَ لَا يَجْهَرُ، وَلَا يَقْرَأُ السُّورَةَ، وَلَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، فَصَارَ يَجْهَرُ وَيَقْرَأُ السُّورَةَ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَالَ فِي الْأُمِّ: يَجُوزُ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها قَالَتْ"لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَرَضَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ قَالَ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ رَجُلٌ أَسِيفٌ.