ج / 4 ص -98- وَمَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ يَبْكِ، فَلَا يَسْتَطِيعُ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَقَالَ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ وَمَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ يَبْكِ فَلَا يَسْتَطِيعُ فَمُرْ عَلِيًّا فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ: قَالَ: إنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبَاتُ يُوسُفَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً فَخَرَجَ فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ لِيَسْتَأْخِرَ، فَأَوْمَأَ إلَيْهِ بِيَدِهِ فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى جَلَسَ إلَى جَنْبِهِ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُهُمْ التَّكْبِيرَ"."
فَإِنْ اسْتَخْلَفَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ فَإِنْ كَانَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ الثالثة: جَازَ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْأُمِّ. وَإِنْ كَانَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوَافِقُ تَرْتِيبَ الْأَوَّلِ فَيُشَوِّشُ؛ وَإِنْ سَلَّمَ الْإِمَامُ وَبَقِيَ عَلَى بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ بَعْضُ الصَّلَاةِ فَقَدَّمُوا مَنْ يُتِمُّ بِهِمْ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أحدهما: يَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ فِي الصَّلَاةِ والثاني: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ الْأُولَى قَدْ تَمَّتْ فَلَا حَاجَةَ إلَى الِاسْتِخْلَافِ"."
.الشرح: حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي اسْتِخْلَافِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه وَخُرُوجِهِ وَتَأَخُّرِ أَبِي بَكْر، وَصَلَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِالنَّاسِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
قَوْلُهَا: أَبُو بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ أَيْ حَزِينٌ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ) أَيْ فِي تَظَاهُرِهِنَّ عَلَى مَا يُرِدْنَ، وَإِلْحَاحِهِنَّ فِيهِ، كَتَظَاهُرِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ وَنِسْوَتِهَا عَلَى صَرْفِ يُوسُفَ (ص) عَنْ رَأْيِهِ فِي الِاعْتِصَامِ، فَحَمَاهُ اللَّهُ الْكَرِيمُ مِنْهُنَّ. وَالْمَشْهُورُ فِي أَكْثَرِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ صَوَاحِبُ وَفِي الْمُهَذَّبِ صَوَاحِبَات وَالْأَوَّلُ أَحْرَى عَلَى اللُّغَةِ وقوله: فِي الْمُهَذَّبِ فَمُرْ عَلِيًّا فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، لَيْسَ لِعَلِيٍّ ذِكْرٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورَةِ، وَوَقَعَ فِي الْمُهَذَّبِ (يَبْكِي) ، وَلَا يَسْتَطِيعُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وَفِي الصَّحِيحِ زِيَادَةٌ فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الصَّحِيحِ: لَا يُسْمِعُ النَّاسَ، وَفِي بَعْضِهَا: لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِرَاءَةِ.
قَوْلُهُ: فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً هِيَ بِكَسْرِ الْخَاءِ أَيْ نَشَاطًا وَقُوَّةً، وقول المصنف:(فَيُشَوِّشُ هَذِهِ اللَّفْظَةُ مَعْدُودَةٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي لَحْنِ الْعَوَامّ، قَالُوا: وَصَوَابُهُ فَيُهَوِّسُ، وَمَعْنَاهُ يُخْلِطُ، وَغَلَّطَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ اللَّيْثَ وَالْجَوْهَرِيَّ فِي تَجْوِيزِهِمَا التَّشْوِيشَ، قَالَ ابْنُ الْجَوَالِيقِيِّ فِي كِتَابِهِ لَحْنِ الْعَوَامّ: أَجْمَعَ أَهْلُ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّ التَّشْوِيشَ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الْمُوَلَّدِينَ وَخَطَّئُوا اللَّيْثَ فِيهِ.
أَمَّا أَحْكَامُ الْفَصْلِ: فَقَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ عَنْ الصَّلَاةِ بِحَدَثٍ تَعَمَّدَهُ أَوْ سَبَقَهُ أَوْ نَسِيَهُ أَوْ بِسَبَبٍ آخَرَ، أَوْ بِلَا سَبَبٍ فَفِي جَوَازِ الِاسْتِخْلَافِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ الصحيح الْجَدِيدُ: جَوَازُهُ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ (وَالْقَدِيمُ) وَالْإِمْلَاءُ: مَنْعُهُ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَخْلَفَ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً فِي مَرَضِهِ، وَمَرَّةً حِينَ ذَهَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِيُصْلِحَ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ بِالنَّاسِ فَحَضَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ فَاسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ وَاسْتَخْلَفَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَطَعَ بِالْجَوَازِ، وَقَالَ: إنَّمَا الْقَوْلَانِ فِي الِاسْتِخْلَافِ فِي الْجُمُعَةِ خَاصَّةً، وَهَذَا أَقْوَى فِي الدَّلِيلِ، وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ فِي الْمَذْهَبِ طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا. قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِنْ مَنَعْنَا الِاسْتِخْلَافَ أَتَمَّ الْمَأْمُومُونَ صَلَاتَهُمْ فُرَادَى، وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ فَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الْخَلِيفَةِ