ج / 4 ص -124- الْبَدْرِيُّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ"يَؤُمَّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى وَأَكْثَرُهُمْ قِرَاءَةً، فَإِنْ كَانَتْ قِرَاءَتُهُمْ سَوَاءً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ سِنًّا"وَكَانَ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم قِرَاءَةً أَكْثَرَهُمْ فِقْهًا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرَءُونَ الْآيَةَ، وَيَتَعَلَّمُونَ أَحْكَامَهَا وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ تَفْتَقِرُ صِحَّتُهَا إلَى الْقِرَاءَةِ وَالْفِقْهِ فَقَدَّمَ أَهْلَهُمَا (عَلَى غَيْرِهِمَا) فَإِنْ زَادَ أَحَدُهُمَا فِي الْقِرَاءَةِ أَوْ الْفِقْهِ قُدِّمَ عَلَى الْآخَرِ، وَإِنْ زَادَ أَحَدُهُمَا فِي الْفِقْهِ وَزَادَ الْآخَرُ فِي الْقِرَاءَةِ فَالْأَفْقَهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ حَادِثَةٌ يَحْتَاجُ إلَى الِاجْتِهَادِ فَإِنَّ اسْتَوَيَا فِي الْفِقْهِ وَالْقِرَاءَةِ فَفِيهِ قَوْلَانِ: قَالَ فِي الْقَدِيمِ: يُقَدَّمُ الْأَشْرَفُ، ثُمَّ الْأَقْدَمُ هِجْرَةً، ثُمَّ الْأَسَنُّ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ قَدَّمَ الْهِجْرَةَ عَلَى السِّنِّ فِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الشَّرَفَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْهِجْرَةِ، فَإِذَا قُدِّمَتْ الْهِجْرَةُ عَلَى السِّنِّ، فَلَأَنْ يُقَدَّمَ عَلَيْهِ الشَّرَفُ أَوْلَى، وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: يُقَدَّمُ الْأَسَنُّ ثُمَّ الْأَشْرَفُ ثُمَّ الْأَقْدَمُ هِجْرَةً؛ لِمَا رَوَى مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ"وَلِأَنَّ الْأَكْبَرَ أَخْشَعُ فِي الصَّلَاةِ فَكَانَ أَوْلَى؛ وَالسِّنُّ الَّذِي يُسْتَحَقُّ بِهِ التَّقْدِيمُ السِّنُّ فِي الْإِسْلَامِ، فَأَمَّا إذَا شَاخَ فِي الْكُفْرِ ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يُقَدَّمْ عَلَى شَابٍّ نَشَأَ فِي الْإِسْلَامِ، وَالشَّرَفُ الَّذِي يُسْتَحَقُّ بِهِ التَّقْدِيمُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَالْهِجْرَةُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَوْ مِنْ أَوْلَادِهِمْ، فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ: يُقَدَّمُ أَحْسَنُهُمْ فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: أَحْسَنُهُمْ صُورَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أَرَادَ أَحْسَنَهُمْ ذِكْرًا"."
الشرح: حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِاللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ هُنَا، وَاسْمُ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ سَكَنَ بَدْرًا وَلَمْ يَشْهَدْهَا فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ، وَقَالَ الْمُحَمَّدُونَ مُحَمَّدُ بْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ صَاحِبُ الْمَغَازِي وَمُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ: شَهِدَهَا. وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ"صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ"فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ: فَقَالَ أَصْحَابُنَا: الْأَسْبَابُ الْمُرَجِّحَةُ فِي الْإِمَامَةِ سِتَّةٌ: الْفِقْهُ، وَالْقِرَاءَةُ، وَالْوَرَعُ، وَالسِّنُّ، وَالنَّسَبُ، وَالْهِجْرَةُ. قَالُوا: وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْوَرَعِ مُجَرَّدَ الْعَدَالَةِ الْمُوجِبَةِ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ، بَلْ مَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ حُسْنِ السِّيرَةِ وَالْعِفَّةِ وَمُجَانَبَةِ الشُّبُهَاتِ وَنَحْوِهَا، وَالِاشْتِهَارِ بِالْعِبَادَةِ.
وَأَمَّا السِّنُّ فَالْمُعْتَبَرُ سِنٌّ مَضَى فِي الْإِسْلَامِ فَلَا يُقَدَّمُ شَيْخٌ أَسْلَمَ قَرِيبًا عَلَى شَابٍّ نَشَأَ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ أَسْلَمَ قَبْلَهُ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَحُجَّتُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ فَأَقْدَمُهُمْ إسْلَامًا بَدَلُ سِنًّا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الشَّيْخُوخَةُ، بَلْ يُعْتَبَرُ تَفَاوُتُ السِّنِّ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ إلَى اعْتِبَارِهَا وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، وَأَمَّا النَّسَبُ فَنَسَبُ قُرَيْشٍ مُعْتَبَرٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَفِي غَيْرِهِمْ وَجْهَانِ: أحدهما: لَا يُعْتَبَرُ غَيْرُ قُرَيْشٍ، وَأَصَحُّهُمَا يُعْتَبَرُ كُلُّ نَسَبٍ يُعْتَبَرُ فِي الْكَفَاءَةِ كَالْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ،