ج / 4 ص -133- بِالْوَجْهِ وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: كُلُّ مَا كَانَ بَيْنَ بَعْضِهِ مِنْ بَعْضٍ كَوَسْطِ الْفَلَاةِ وَالصَّفِّ وَالْمَسْبَحَةِ وَحَلَقَةِ النَّاسِ فَهُوَ وَسْطُ بِالْإِسْكَانِ، وَمَا كَانَ مُصْمَتًا لَا يَبِينُ كَالدَّارِ وَالسَّاحَةِ وَالرَّاحَةِ فَوَسَطٌ بِالْفَتْحِ، قَالَ: وَأَجَازُوا فِي الْمَفْتُوحِ الْإِسْكَانَ وَلَمْ يُجِيزُوا فِي السَّاكِنِ الْفَتْحَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قال المصنف رحمه الله تعالى:"فَإِنْ خَالَفُوا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ فَوَقَفَ الرَّجُلُ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ أَوْ خَلْفَهُ وَحْدَهُ أَوْ وَقَفَتْ الْمَرْأَةُ مَعَ الرَّجُلِ أَوْ أَمَامَهُ لَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما"وَقَفَ عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ"وَأَحْرَمَ أَبُو بَكْرَةَ خَلْفَ الصَّفِّ، وَرَكَعَ ثُمَّ مَشَى إلَى الصَّفِّ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم"زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا، وَلَا تَعُدْ"وَلِأَنَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ كُلَّهَا مَوَاقِفُ لِبَعْضِ الْمَأْمُومِينَ فَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِالِانْتِقَالِ إلَيْهَا".
الشرح: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ثَابِتٌ مِنْ طُرُقٍ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَحَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرَةَ. وَيُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: رُوِيَ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ، الْمَوْضُوعَةِ لِلضَّعِيفِ، وَقَدْ سَبَقَ مَرَّاتٍ التَّنْبِيهُ عَلَى مِثْلِ هَذَا، وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم
لِأَبِي بَكْرَةَ: وَلَا تَعُدْ بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الْعَيْنِ - قِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تَعُدْ إلَى الْإِحْرَامِ خَارِجَ الصَّفِّ، وَقِيلَ: لَا تَعُدْ إلَى التَّأَخُّرِ عَنْ الصَّلَاةِ إلَى هَذَا الْوَقْتِ، وَقِيلَ: لَا تَعُدْ إلَى إتْيَانِ الصَّلَاةِ مُسْرِعًا.
وأَمَّا حُكْمُ الْفصل:فَقَدْ سَبَقَ مَقْصُودُهَا فِي أَوَائِلِ الْبَابِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَوَاقِفَ الْمَذْكُورَةَ كُلَّهَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، فَإِنْ خَالَفُوهَا كُرِهَ وَصَحَّتْ الصَّلَاةُ؛ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَكَذَا لَوْ صَلَّى الْإِمَامُ أَعْلَى مِنْ الْمَأْمُومِ وَعَكْسَهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَكَذَا إذَا تَقَدَّمَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى صُفُوفِ الرِّجَالِ بِحَيْثُ لَمْ تَتَقَدَّمْ عَلَى الْإِمَامِ أَوْ وَقَفَتْ بِجَنْبِ الْإِمَامِ أَوْ بِجَنْبِ مَأْمُومٍ صَحَّتْ صَلَاتُهَا وَصَلَاةُ الرِّجَالِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا، وَكَذَا لَوْ صَلَّى مُنْفَرِدًا خَلْفَ الصَّفِّ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الصَّفِّ كُرِهَ، وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ.
فرع: إذَا وَجَدَ الدَّاخِلُ فِي الصَّفِّ فُرْجَةً أَوْ سِعَةً دَخَلَهَا، وَلَهُ أَنْ يَخْرِقَ الصَّفَّ الْمُتَأَخِّرَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ فُرْجَةٌ وَكَانَتْ فِي صَفٍّ قُدَّامَهُ لِتَقْصِيرِهِمْ بِتَرْكِهَا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فُرْجَةً وَلَا سِعَةً فَفِيهِ خِلَافٌ حَكَوْهُ وَجْهَيْنِ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ قَوْلَانِ:
أحدهما: يَقِفُ مُنْفَرِدًا وَلَا يَجْذِبُ أَحَدًا، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ لِئَلَّا يَحْرِمَ غَيْرَهُ فَضِيلَةَ الصَّفِّ السَّابِقِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ.
والثاني: وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَقَطَعَ بِهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْبِذَ إلَى نَفْسِهِ وَاحِدًا مِنْ الصَّفِّ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَجْذُوبِ مُسَاعَدَتُهُ قَالُوا: وَلَا يَجْذِبُهُ إلَّا بَعْدَ إحْرَامِهِ لِئَلَّا يُخْرِجَهُ عَنْ الصَّفِّ لَا إلَى صَفٍّ، وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ لِلْمَجْذُوبِ الْمُوَافَقَةُ لِيَحْصُلَ لِهَذَا فَضِيلَةُ صَفٍّ وَلِيَخْرُجَ مِنْ خِلَافِ مَنْ قَالَ مِنْ الْعُلَمَاءِ: لَا تَصِحُّ صَلَاةُ مُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ، وَيُسْتَأْنَسُ فِيهِ أَيْضًا بِحَدِيثٍ مُرْسَلٍ ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إنْ جَاءَ فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا فَلْيَخْتَلِجْ إلَيْهِ رَجُلًا مِنْ الصَّفِّ فَلِيَقُمْ مَعَهُ فَمَا أَعْظَمَ أَجْرَ الْمُخْتَلَجِ".