ج / 4 ص -134- فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ خَلْفَ الصَّفِّ.
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهَا صَحِيحَةٌ عِنْدَنَا مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَحَكَاهُ أَصْحَابُنَا أَيْضًا عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الصَّحَابِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَدَاوُد، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ النَّخَعِيِّ وَالْحَكَمِ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ قَالَ: وَبِهِ أَقُولُ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ خَلْفَ الصَّفِّ يَصِحُّ إحْرَامُهُ، فَإِنْ دَخَلَ فِي الصَّفِّ قَبْلَ الرُّكُوعِ صَحَّتْ قُدْوَتُهُ وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
وَاحْتَجَّ لِهَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ رضي الله عنه"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ شَيْبَانَ قَالَ:"صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَانْصَرَفَ فَرَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ فَوَقَفَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى انْصَرَفَ الرَّجُلُ فَقَالَ لَهُ: اسْتَقْبِلْ صَلَاتَك لَا صَلَاةَ لِلَّذِي خَلْفَ الصَّفِّ"رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ. وَبِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَحَمَلُوا الْحَدِيثَيْنِ الْوَارِدَيْنِ بِالْإِعَادَةِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم"لَا صَلَاةَ لِلَّذِي خَلْفَ الصَّفِّ"أَيْ لَا صَلَاةَ كَامِلَةً كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ"وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ التَّأْوِيلِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم انْتَظَرَهُ حَتَّى فَرَغَ، وَلَوْ كَانَتْ بَاطِلَةً لَمَا أَقَرَّهُ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ فِيهَا، وَهَذَا وَاضِحٌ.
فرع: فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي الْجَذْبِ مِنْ الصَّفِّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَنَا أَنَّ الدَّاخِلَ إذَا لَمْ يَجِدْ فِي الصَّفِّ سِعَةٌ جَذَبَ وَاحِدًا بَعْدَ إحْرَامِهِ وَاصْطَفَّ مَعَهُ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ كَرَاهَتُهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَدَاوُد.
فرع: صَلَاةُ الْمَرْأَةِ قُدَّامَ رَجُلٍ وَبِجَنْبِهِ مَكْرُوهَةٌ، وَيَصِحُّ صَلَاتُهَا وَصَلَاةُ الْمَأْمُومِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَتْ عَلَيْهِمْ أَوْ حَاذَتْهُمْ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هِيَ بَاطِلَةٌ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةً فِي آخِرِ بَابِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ.
قال المصنف رحمه الله تعالى:"فَإِنْ تَقَدَّمَ الْمَأْمُومُ عَلَى الْإِمَامِ فَفِيهِ قَوْلَانِ، قَالَ فِي التَّقْدِيمِ: لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ كَمَا لَوْ وَقَفَ خَلْفَ الْإِمَامِ وَحْدَهُ، وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: تَبْطُلُ لِأَنَّهُ وَقَفَ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ مَوْقِفَ مُؤْتَمٍّ بِحَالٍ، فَأَشْبَهَ إذَا وَقَفَ فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ".
الشرح: إذَا تَقَدَّمَ الْمَأْمُومُ عَلَى إمَامِهِ فِي الْمَوْضِعِ فَقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ، الْجَدِيدُ الْأَظْهَرُ لَا تَنْعَقِدُ، وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَائِهَا بَطَلَتْ، وَالْقَدِيمُ انْعِقَادُهَا، وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَائِهَا لَمْ تَبْطُلْ وَدَلِيلُهُمَا فِي الْكِتَابِ وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَكِنْ سَاوَاهُ لَمْ تَبْطُلْ بِلَا خِلَافٍ لَكِنْ يُكْرَهُ وَالِاعْتِبَارُ فِي التَّقَدُّمِ وَالْمُسَاوَاةِ بِالْعَقِبِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ فَلَوْ تَسَاوَيَا فِي الْعَقِبِ وَتَقَدَّمَتْ أَصَابِعُ الْمَأْمُومِ لَمْ يَضُرَّهُ وَإِنْ تَقَدَّمَتْ عَقِبُهُ وَتَأَخَّرَتْ أَصَابِعُهُ عَنْ أَصَابِعِ الْإِمَامِ فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ قَطْعًا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَقَالَ فِي الْوَسِيطِ: الِاعْتِبَارُ بِالْكَعْبِ، وَالْمَذْهَبُ الْمَعْرُوفُ الْأَوَّلُ.