ج / 4 ص -163- والجواب: عَنْ الْإِشْكَالِ الْمَذْكُورِ أَنْ يُقَالَ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَنْوِيَ الظُّهْرَ مُطْلَقًا فِي سَفِينَةٍ فِي الْبَلَدِ ثُمَّ يَسِيرُ وَيُفَارِقُ الْبَلَدَ فِي أَثْنَائِهَا فَيَجِبُ الْإِتْمَامُ لِعِلَّتَيْنِ إحداهما فَقْدُ نِيَّةِ الْقَصْرِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَالثَّانِيَةُ: اجْتِمَاعُ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ فِيهَا، فَبَيَّنُوا أَنَّ اجْتِمَاعَ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ فِي الْعِبَادَةِ يُوجِبُ تَغْلِيبَ حُكْمِ الْحَضَرِ، وَيُسْتَدَلُّ بِهِ حِينَئِذٍ فِي مَسْأَلَةِ الْخُفِّ، وَهِيَ إذَا مَسَحَهُ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ فَعِنْدَنَا يُتِمُّ مَسْحَ مُقِيمٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَمْسَحُ مَسْحَ مُسَافِرٍ؛ فَيَقُولُ: اجْتَمَعَ الْحَضَرُ وَالسَّفَرُ وَاجْتِمَاعُهُمَا يُوجِبُ تَغْلِيبَ الْحَضَرِ، وَقَدْ وَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى مَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ؛ بَلْ نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى هَذَا وَهَذَا الْقِيَاسُ هُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ أَصْحَابُنَا فِي مَسْأَلَةِ الْخُفِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ حَتَّى يَنْوِيَهُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، قَالَ الْعَبْدَرِيُّ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ، وَقَالَ الْمُزَنِيّ: لَوْ نَوَاهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَلَوْ قَبْلَ السَّلَامِ جَازَ الْقَصْرُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَجِبُ نِيَّةُ الْقَصْرِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَهُ الْقَصْرُ، وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ لَوْ نَوَى الْإِتْمَامَ ثُمَّ نَوَى فِي أَثْنَائِهَا أَنْ يَقْصُرَ كَانَ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ، وَدَلِيلُنَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْأَصْلَ الْإِتْمَامُ لِمَا سَبَقَ، وَعَلَى الْآخَرِينَ أَنَّ الْأَصْلَ الْإِتْمَامُ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمَا، فَمَتَى وَجَدَ جُزْءٌ مِنْهَا بِغَيْرِ نِيَّةِ الْقَصْرِ وَجَبَ إتْمَامُهَا تَغْلِيبًا لِلْأَصْلِ.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْقَصْرِ الْعِلْمُ بِجَوَازِهِ، فَلَوْ جَهِلَ جَوَازَهُ فَقَصَرَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ. نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ، وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِيهِ احْتِمَالًا وَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ مُتَلَاعِبٌ، وَكَأَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ لَمْ يَرَ نَصَّهُ فِي الْأُمِّ، وَاتِّفَاقَ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ عَلَى التَّصْرِيحِ بِالْمَسْأَلَةِ. ثُمَّ إنْ كَانَ نَوَى الظُّهْرَ مُطْلَقًا وَسَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ عَمْدًا لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهَا أَرْبَعًا، لِالْتِزَامِهِ الْإِتْمَامَ فَإِنْ صَلَاتُهُ انْعَقَدَتْ تَامَّةً، وَإِنْ كَانَ نَوَى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَاهِلُ الْقَصْرَ فَهُوَ مُتَلَاعِبٌ، وَإِذَا أَعَادَهَا فَلَهُ الْقَصْرُ إذَا عَلِمَ جَوَازَهُ لِعَدَمِ شُرُوعِهِ فِيهَا، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْإِتْمَامُ فِي الْإِعَادَةِ عَلَى مَنْ لَا يَعْقِدُ صَلَاتَهُ تَامَّةً ثُمَّ فَسَدَتْ، وَهُنَا لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ بِخِلَافِ الصُّورَةِ الَّتِي قَبْلَهَا.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: نِيَّةُ الْقَصْرِ شَرْطٌ عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَلَا يَجِبُ اسْتِدَامَةُ ذِكْرِهَا لَكِنْ يُشْتَرَطُ الِانْفِكَاكُ عَنْ مُخَالِفَةِ الْجَزْمِ بِهَا، فَلَوْ نَوَى الْقَصْرَ فِي الْإِحْرَامِ ثُمَّ تَرَدَّدَ فِي الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ أَوْ شَكَّ فِيهِ ثُمَّ جَزَمَ بِهِ أَوْ تَذَكَّرَهُ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ، وَلَوْ اقْتَدَى بِمُسَافِرٍ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ نَوَى الْقَصْرَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ إلَى ثَالِثَةٍ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ نَوَى الْإِتْمَامَ لَزِمَ الْمَأْمُومُ الْإِتْمَامَ. وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ سَاهٍ بِأَنْ كَانَ حَنَفِيًّا لَا يَرَى الْإِتْمَامَ لَمْ يَلْزَمْ الْمَأْمُومُ الْإِتْمَامَ، بَلْ يُخَيَّرُ إنْ شَاءَ نَوَى مُفَارَقَتَهُ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ وَسَلَّمَ، وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَهُ حَتَّى يَعُودَ وَيُسْلَمَ مَعَهُ. وَإِنَّمَا قَالُوا: يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ لِأَنَّ بِقِيَامِ الْإِمَامِ سَاهِيًا تَوَجَّهَ السُّجُودُ عَلَيْهِمَا، فَلَوْ أَرَادَ الْمَأْمُومُ الْإِتْمَامَ أَتَمَّ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِالْإِمَامِ فِي سَهْوِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحْسُوبٍ لَهُ، وَلَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِمَنْ عَلِمْنَا أَنَّ مَا هُوَ فِيهِ غَيْرُ مَحْسُوبٍ لَهُ، كَالْمَسْبُوقِ إذَا أَدْرَكَ مِنْ آخِرِ الصَّلَاةِ رَكْعَةً، ثُمَّ قَامَ الْإِمَامُ بَعْدَهَا إلَى رَكْعَةٍ زَائِدَةٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمَسْبُوقِ أَنْ يُتَابِعَهُ فِي تَدَارُكِ مَا عَلَيْهِ، وَلَوْ شَكَّ هَلْ قَامَ إمَامُهُ سَاهِيًا أَوْ مُتِمًّا؟ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ لِتَرَدُّدِهِ.