ج / 4 ص -170- الْخُرُوجِ عَشِيَّةَ الْأَرْبِعَاءِ، وَأَمَّا قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ: مَتَى نَوَى إقَامَةَ زِيَادَةٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ صَارَ مُقِيمًا فَمُوَافِقٌ لِمَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ زِيَادَةٌ عَلَى الثَّلَاثِ غَيْرَ يَوْمَيِ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ، بِحَيْثُ لَا يَبْلُغُ الْأَرْبَعَةُ ثُمَّ الْأَيَّامُ الْمُحْتَمَلَةُ مَعْدُودَةٌ بِلَيَالِيِهَا، وَمَتَى نَوَى أَرْبَعَةً صَارَ مُقِيمًا فِي الْحَالِ وَلَوْ دَخَلَ فِي اللَّيْلِ لَمْ يَحْسِبْ بَقِيَّةَ اللَّيْلِ، وَيَحْسِبُ الْغَدَ.
هَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْمُحَارَبِ، أَمَّا الْمُحَارَبُ وَهُوَ الْمُقِيمُ عَلَى الْقِتَالِ بِحَقٍّ فَفِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ أحدهما: يَقْصُرُ أَبَدًا لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ، وَعَلَى هَذَا يَقْصُرُ أَبَدًا، وَإِنْ نَوَى إقَامَةَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ وأصحهما عِنْدَ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ كَغَيْرِهِ فَلَا يَقْصُرُ إذَا نَوَى إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ: وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّافِعِيِّ، وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِأَنَّهُمْ لَمْ يُقِيمُوا تِسْعَةَ أَشْهُرٍ فِي مَكَان وَاحِدٍ، بَلْ كَانُوا يَتَنَقَّلُونَ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ أَمَّا إذَا أَقَامَ فِي بَلَدٍ أَوْ قَرْيَةٍ لِشُغْلٍ فَلَهُ حَالَانِ: أحدهما: أَنْ يَتَوَقَّعَ انْقِضَاءَ شُغْلِهِ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَنَوَى الِارْتِحَالَ عِنْدَ فَرَاغِهِ فَلَهُ الْقَصْرُ إلَى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ بِلَا خِلَافٍ، وَفِيمَا زَادَ عَلَيْهَا طَرِيقَانِ الصَّحِيحُ) مِنْهُمَا وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ أحدها: يَجُوزُ الْقَصْرُ أَبَدًا سَوَاءُ فِيهِ الْمُقِيمُ لِقِتَالِ أَوْ لِخَوْفِ مِنْ الْقِتَالِ أَوْ لِتِجَارَةٍ وَغَيْرُهَا.
والثاني: لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ أَصْلًا والثالث: وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْأَصْحَابِ يَجُوزُ الْقَصْرُ ثَمَانِيَةَ عَشْرَ يَوْمًا فَقَطْ، وَقِيلَ: عَلَى هَذَا يَجُوزُ سَبْعَةَ عَشْرَ، وَقِيلَ تِسْعَةَ عَشْرَ، وَقِيلَ عِشْرِينَ وَسَمَّى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذِهِ أَقْوَالًا، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي أَنَّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ فِي الْمُحَارَبِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ قَوْلًا وَاحِدًا، وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ كَمَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ. وَإِذَا جُمِعَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ وَالْأَوْجُهُ وَسُمِّيَتْ أَقْوَالًا كَانَتْ سَبْعَةً أحدها لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ. والثاني: يَجُوزُ إلَى سَبْعَةَ عَشْرَ يَوْمًا (وَأَصَحُّهَا) إلَى ثَمَانِيَةَ عَشْرَ والرابع: إلَى تِسْعَةَ عَشْرَ والخامس إلَى عِشْرِينَ وَالسَّادِسُ: أَبَدًا السابع لِلْمُحَارِبِ مُجَاوَزَةُ أَرْبَعَةٍ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ، وَدَلِيلُ الْجَمِيعِ يُعْرَفُ مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَذَكَرْنَاهُ (الْحَالُ الثاني أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ شُغْلَهُ لَا يَفْرُغُ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ غَيْرَ يَوْمَيِ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ كَالْمُتَفَقِّهِ وَالْمُقِيمِ لِتِجَارَةٍ كَبِيرَةٍ وَلِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَنَحْوِهَا، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهَا أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ فَأَكْثَرَ فَإِنْ كَانَ مُحَارَبًا، وَقُلْنَا فِي الْحَالِ الْأَوَّلِ: لَا يَقْصُرُ فَهَاهُنَا أَوْلَيْ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ. أحدهما يَتَرَخَّصُ أَبَدًا وأصحهما لَا يَتَجَاوَزُ ثَمَانِيَةَ عَشْرَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُحَارَبٍ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَتَرَخَّصُ أَصْلًا، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ. والثاني: أَنَّهُ كَالْمُحَارَبِ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَقالوا: هُوَ غَلَطٌ فإن قيل: ثَبَتَ فِي صَحِيحَيِّ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ"خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَصَرَ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ فَأَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا فَلَمْ يَزَلْ يَقْصُرُ حَتَّى رَجَعَ"فَهَذَا كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَدْ نَوَى إقَامَةَ هَذِهِ الْمُدَّةِ فَالْجَوَابُ مَا أَجَابَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ وَأَصْحَابُنَا فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ.
قَالُوا: لَيْسَ مُرَادُ أَنَسٍ أَنَّهُمْ أَقَامُوا فِي نَفْسِ مَكَّةَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، بَلْ طُرُقُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِنْ رِوَايَاتِ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَدِمَ مَكَّةَ فِي حَجَّتِهِ لِأَرْبَعٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثَةً وَلَمْ يَحْسِبْ يَوْمَ الدُّخُولِ وَلَا الثَّامِنَ لِأَنَّهُ خَرَجَ فِيهِ إلَى مِنًى فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ