ج / 4 ص -233- وَالْمَسَاجِدِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَتَعْلِيقِ قَنَادِيلِهَا وَجْهَانِ أصحهما: التَّحْرِيمُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ السَّلَفِ مَعَ أَنَّهُ سَرَفٌ والثاني: الْجَوَازُ كَمَا يَجُوزُ سَتْرُ الْكَعْبَةِ بِالدِّيبَاجِ بِالِاتِّفَاقِ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَكُلُّ حُلِيٍّ حُلَّ لِبَعْضِ النَّاسِ اسْتِعْمَالُهُ اسْتَحَقَّ صَانِعُهُ الْأُجْرَةَ وَوَجَبَ عَلَى كَاسِرِهِ أَرْشُهَا وَمَا لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ فَحُكْمُ صَنْعَتِهِ حُكْمُ صَنْعَةِ الْإِنَاءِ، وَقَدْ سَبَقَ وَجْهَانِ فِي بَابِ الْآنِيَةِ أصحهما: لَا أُجْرَةَ وَلَا أَرْشَ والثاني: ثُبُوتُهُمَا، وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِعْمَالٍ وَالْأَصَحُّ تَحْرِيمُهُ.
قال المصنف رحمه الله تعالى:"وَيَجُوزُ أَنْ يُلْبِسَ دَابَّتَهُ وَأَدَاتَهُ جِلْدَ مَا سِوَى الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مَدْبُوغًا فَهُوَ طَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَدْبُوغٍ فَالْمَنْعُ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ لِلنَّجَاسَةِ، وَلَا تَعَبُّدَ عَلَى الدَّابَّةِ وَالْأَدَاةِ. وَأَمَّا جِلْدُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْخِنْزِيرَ لَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ. وَالْكَلْبُ لَا يَحِلُّ إلَّا لِلْحَاجَةِ، وَهِيَ الصَّيْدُ وَحِفْظُ الْمَاشِيَةِ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ"وَلَا حَاجَةَ إلَى الِانْتِفَاعِ بِجِلْدِهِ بَعْدَ الدِّبَاغِ فَلَمْ يَحِلَّ".
الشرح: هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ هَكَذَا وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِمَا قِيرَاطٌ وَفِي أَكْثَرِهَا قِيرَاطَانِ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحِ كَلْبُ صَيْدٍ أَوْ زَرْعٍ أَوْ مَاشِيَةٍ وَيُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ قَوْلُهُ: وَالْكَلْبُ لَا يَحِلُّ إلَّا لِحَاجَةٍ وَهِيَ الصَّيْدُ وَحِفْظُ الْمَاشِيَةِ، مَعَ أَنَّهُ يَحِلُّ لِلزَّرْعِ بِلَا خِلَافٍ، وَيَحِلُّ أَيْضًا لِحِفْظِ الدُّرُوبِ وَالدُّورِ وَنَحْوِهَا عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ كُلَّ هَذَا فِي أَوَّلِ بَابِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ الصَّيْدَ وَالْمَاشِيَةَ وَنَحْوَهُمَا، وَأَهْمَلَ اسْتِيفَاءَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ سَيَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ وقوله: وَأَدَاتُهُ هُوَ - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَبِدَالٍ مُهْمَلَةٍ وَهِيَ الْآلَةُ وقوله: لَا تَعَبُّدَ عَلَى الدَّابَّةِ أَيْ لَيْسَتْ مُكَلَّفَةً.
أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ: فَقَالَ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ: لِلشَّافِعِيِّ نُصُوصٌ مُخْتَلِفَةٌ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِ الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ فَقِيلَ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ اسْتِعْمَالِهَا كُلِّهَا قَوْلَانِ وَالْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَأَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ وَالْقَفَّالُ وَأَصْحَابُهُ التَّفْصِيلُ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ شَيْءٍ مِنْهَا فِي ثَوْبٍ أَوْ بَدَنٍ إلَّا لِضَرُورَةٍ، وَيَجُوزُ فِي غَيْرِهِمَا إنْ كَانَتْ نَجَاسَةً مُخَفَّفَةً، وَهِيَ غَيْرُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَفرع: أَحَدِهِمَا وَإِنْ كَانَتْ مُغَلَّظَةً وَهِيَ نَجَاسَةُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْفرع: لَمْ يُجِزْهُ فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ لُبْسُ جِلْدِ الْكَلْبِ وَلَا الْخِنْزِيرِ وَلَا فرع: أَحَدِهِمَا فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ؛ لِأَنَّ الْخِنْزِيرَ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي حَيَاتِهِ بِحَالٍ وَكَذَا الْكَلْبُ، إلَّا لِمَقَاصِدَ مَخْصُوصَةٍ فَبَعْدَ مَوْتِهِمَا أَوْلَى. وَيَجُوزُ طَلْيُ السُّفُنِ بِشَحْمِ الْمَيْتَةِ وَكَذَا دَهْنُ الدَّوَابِّ وَغَيْرِهَا، وَيَجُوزُ لُبْسُ الثِّيَابِ الْمُتَنَجِّسَةِ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ وَنَحْوِهَا، وَإِنْ فَاجَأَتْهُ حَرْبٌ أَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ وَنَحْوِهِمَا وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَ جِلْدِ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ جَازَ لُبْسُهُ لِلضَّرُورَةِ، وَأَمَّا جِلْدُ الْمَيْتَةِ مِنْ شَاةٍ وَبَقَرَةٍ وَسَائِرِ الْحَيَوَانِ غَيْرِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَفرع: أَحَدِهِمَا وَغَيْرِ الْآدَمِيِّ فَلَا يَحِلُّ لُبْسُهُ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ وَحَكَى الْخُرَاسَانِيُّونَ وَجْهًا أَنَّهُ يَجُوزُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.