ج / 4 ص -258- هُوَالْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَالْمَنْصُوصُ فِي كُتُبِهِ، وَقَطَعَ بِهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَمَعْنَاهُ أَرْبَعُونَ بِالْإِمَامِ فَيَكُونُونَ تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ مَأْمُومًا.
وَنَقَلَ ابْنُ الْقَاصِّ فِي التَّلْخِيصِ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ قَدِيمًا: أَنَّهَا تَنْعَقِدُ بِثَلَاثَةٍ: إمَامٍ وَمَأْمُومَيْنِ، هَكَذَا حَكَاهُ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَاَلَّذِي هُوَ مَوْجُودٌ فِي التَّلْخِيصِ ثَلَاثَةٌ مَعَ الْإِمَامِ، ثُمَّ إنَّ هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي حَكَاهُ غَرِيبٌ أَنْكَرَهُ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ وَغَلَّطُوهُ فِيهِ. قَالَ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ: هَذَا الْقَوْلُ غَلَطٌ لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّافِعِيُّ قَطُّ وَلَا أَعْرِفُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ: أَنْكَرَ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا هَذَا الْقَوْلَ وَقَالُوا: لَا يُعْرَفُ هَذَا لِلشَّافِعِيِّ. قَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ سَلَّمَ نَقْلَهُ، وَحَكَى أَصْحَابُنَا الْخُرَاسَانِيُّونَ وَجْهًا ضَعِيفًا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ زَائِدًا عَلَى الْأَرْبَعِينَ، حَكَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ أَيْضًا، مِنْهُمْ صَاحِبُ الْحَاوِي وَالدَّارِمِيُّ وَالشَّاشِيُّ. قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي: هُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ قَوْلًا قَدِيمًا. وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ"هَلْ تَنْعَقِدُ بِمُقِيمِينَ غَيْرِ مُسْتَوْطِنِينَ؟"فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ: أَصَحُّهُمَا: لَا تَنْعَقِدُ، اتَّفَقُوا عَلَى تَصْحِيحِهِ، مِمَّنْ صَحَّحَهُ الْمَحَامِلِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ، وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى فِي الْفرع: الْآتِي بَيَانُ مَحِلِّ الْوَجْهَيْنِ.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: النَّاسُ فِي الْجُمُعَةِ سِتَّةُ أَقْسَامٍ: أحدها: مَنْ تَلْزَمُهُ وَتَنْعَقِدُ بِهِ؛ وَهُوَ الذَّكَرُ الْحُرُّ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ الْمُسْتَوْطِنُ الَّذِي لَا عُذْرَ لَهُ الثاني: مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِ وَلَا تَلْزَمُهُ، وَهُوَ الْمَرِيضُ وَالْمُمَرِّضُ، وَمَنْ فِي طَرِيقِهِ مَطَرٌ وَنَحْوُهُمْ مِنْ الْمَعْذُورِينَ. وَلَنَا قَوْلٌ شَاذٌّ ضَعِيفٌ جِدًّا: أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ بِالْمَرِيضِ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ الثالث: مَنْ لَا تَلْزَمُهُ وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِ وَلَا تَصِحُّ مِنْهُ، وَهُوَ الْمَجْنُونُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ. الرابع: مَنْ تَلْزَمُهُ وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِ وَتَصِحُّ مِنْهُ وَهُوَ الْمُمَيِّزُ وَالْعَبْدُ وَالْمُسَافِرُ وَالْمَرْأَةُ وَالْخُنْثَى. الخامس: مَنْ تَلْزَمُهُ وَلَا تَصِحُّ مِنْهُ وَهُوَ الْمُرْتَدُّ. السادس: مَنْ تَلْزَمُهُ وَتَصِحُّ مِنْهُ، وَفِي انْعِقَادِهَا بِهِ خِلَافٌ، وَهُوَ الْمُقِيمُ غَيْرُ الْمُسْتَوْطِنِ فَفِيهِ الْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي الْكِتَابِ أصحهما: لَا تَنْعَقِدُ بِهِ.
ثُمَّ أَطْلَقَ جَمَاعَةٌ الْوَجْهَيْنِ فِي كُلِّ مُقِيمٍ لَا يَتَرَخَّصُ، وَصَرَّحَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّ الْوَجْهَيْنِ جَارِيَانِ فِي الْمُسَافِرِ الَّذِي نَوَى إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: هُمَا جَارِيَانِ فِيمَنْ نَوَى إقَامَةً يَخْرُجُ بِهَا عَنْ كَوْنِهِ مُسَافِرًا قَصِيرَةً كَانَتْ أَوْ طَوِيلَةً وَشَذَّ الْبَغَوِيّ فَقَالَ: الْوَجْهَانِ فِيمَنْ طَالَ مَقَامُهُ وَفِي عَزْمِهِ الرُّجُوعُ إلَى وَطَنِهِ كَالْمُتَفَقِّهِ1 وَالتَّاجِرِ، قَالَ: فَإِنْ نَوَى إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ يَعْنِي وَنَحْوِهَا مِنْ الْإِقَامَةِ الْقَلِيلَةِ لَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ وَجْهًا وَاحِدًا، وَالْمَشْهُورُ: طَرْدُ الْخِلَافِ فِي الْجَمِيعِ، وَأَمَّا أَهْلُ"الْخِيَامِ وَالْقُرَى الَّذِينَ يَبْلُغُهُمْ نِدَاءُ الْبَلَدِ وَيَنْقُصُونَ عَنْ أَرْبَعِينَ فَقَطَعَ الْبَغَوِيّ بِأَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مُقِيمِينَ فِي بَلَدِ الْجُمُعَةِ بِخِلَافِ الْمُقِيمِ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ إلَى وَطَنِهِ، وَطَرَدَ الْمُتَوَلِّي فِيهِمْ الْوَجْهَيْنِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 يريد بالمتفقه طالب الفقه أو طالب العلم المسافر في سبيله (ط)