فهرس الكتاب
ج / 4 ص -309- قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: فَلَوْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فَسَلَّمَ الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يَعْتَدِلَ الْمَزْحُومُ قَاعِدًا فَفِيهِ احْتِمَالٌ، قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُدْرِكُ لِلْجُمُعَةِ، أَمَّا إذَا كَانَ الزِّحَامُ فِي سُجُودِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَقَدْ صَلَّى الْأُولَى مَعَ الْإِمَامِ فَيَسْجُدُ مَتَى تَمَكَّنَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ أَوْ بَعْدَهُ، وَجُمُعَتُهُ صَحِيحَةٌ بِالِاتِّفَاقِ، فَلَوْ كَانَ مَسْبُوقًا أَدْرَكَهُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنْ تَمَكَّنَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ سَجَدَ وَأَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ فَيَضُمَّ إلَيْهَا أُخْرَى، وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ حَتَّى سَلَّمَ فَلَا جُمُعَةَ لَهُ، فَيَسْجُدُ وَيَحْصُلُ لَهُ رَكْعَةٌ مِنْ الظُّهْرِ عَلَى الْمَذْهَبِ. أَمَّا إذَا زُحِمَ عَنْ رُكُوعِ الْأُولَى حَتَّى رَكَعَ الْإِمَامُ فِي الثَّانِيَةِ فَيَرْكَعُ وَيُتَابِعُهُ بِلَا خِلَافٍ، وَمِمَّنْ نَقَلَ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَفِي الْحَاصِلِ لَهُ وَجْهَانِ أصحهما: وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ، مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: تُحْسَبُ لَهُ الرَّكْعَةُ الثَّانِيَةُ وَتَسْقُطُ الْأُولَى، وَيُدْرِكُ الْجُمُعَةَ قَوْلًا وَاحِدًا والثاني: تُحْسَبُ لَهُ رَكْعَةٌ مُلَفَّقَةٌ، وَفِي إدْرَاكِ الْجُمُعَةِ بِهَا الْوَجْهَانِ؛ وَبِهَذَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ.
فرع: لَوْ زُحِمَ عَنْ السُّجُودِ وَزَالَتْ الزَّحْمَةُ وَالْإِمَامُ قَائِمٌ فِي الثَّانِيَةِ فَسَجَدَ وَقَامَ وَأَدْرَكَهُ قَائِمًا وَقَرَأَ، أَوْ رَاكِعًا فَقَرَأَ وَلَحِقَهُ، أَوْ قُلْنَا: تَسْقُطُ عَنْهُ الْقِرَاءَةُ فَرَكَعَ مَعَهُ ثُمَّ زُحِمَ عَنْ السُّجُودِ فِي الثَّانِيَةِ، وَزَالَ الزِّحَامُ وَسَجَدَ وَرَفَعَ، وَأَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَتَيْنِ، وَفِي إدْرَاكِهِ بِهِمَا الْجُمُعَةَ طَرِيقَانِ، قَالَ الْمُصَنِّفُ وَشَيْخُهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: فِي إدْرَاكِهَا الْوَجْهَانِ فِي الرَّكْعَةِ الْحُكْمِيَّةِ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالْأَكْثَرُونَ: يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ وَجْهًا وَاحِدًا، وَيُسَلِّمُ مَعَ الْإِمَامِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَضَعَّفَ قَوْلَ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ.
فرع: لَوْ رَكَعَ مَعَ الْإِمَامِ وَنَسِيَ السُّجُودَ وَبَقِيَ وَاقِفًا فِي الِاعْتِدَالِ حَتَّى رَكَعَ الْإِمَامُ فِي الثَّانِيَةِ فَفِيهِ طَرِيقَانِ حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ أحدهما: قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَرُوذِيُّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ فِيهِ الْقَوْلَانِ فِي الْمَزْحُومِ هَلْ يَتْبَعُ الْإِمَامَ أَمْ يَشْتَغِلُ بِمَا عَلَيْهِ؟ وَالطَّرِيقُ الثاني: يَلْزَمُهُ إتْبَاعُ الْإِمَامِ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ فِي النِّسْيَانِ بِخِلَافِ الزَّحْمَةِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ الْمُتَابَعَةِ، وَصَحَّحَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ هَذَا الطَّرِيقَ وَنَقَلَهُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، وَصَحَّحَهُ أَيْضًا الرُّويَانِيِّ، وَصَحَّحَ الْبَغَوِيّ الْأَوَّلَ. هَكَذَا أَطْلَقَ الْأَكْثَرُونَ الْمَسْأَلَةَ.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: التَّخَلُّفُ بِالنِّسْيَانِ هَلْ هُوَ كَالتَّخَلُّفِ بِالزِّحَامِ؟ قِيلَ: فِيهِ وَجْهَانِ أصحهما: نَعَمْ لِعُذْرِهِ والثاني: لَا لِنُدُورِهِ وَتَفْرِيطِهِ قَالَ: وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ أَنَّ فِيهِ تَفْصِيلًا، فَإِنْ تَأَخَّرَ سُجُودُهُ عَنْ سَجْدَتَيْ الْإِمَامِ بِالنِّسْيَانِ ثُمَّ سَجَدَ فِي حَالِ قِيَامِ الْإِمَامِ فَهُوَ كَالزِّحَامِ، وَكَذَا لَوْ تَأَخَّرَ لِمَرَضٍ، وَإِنْ بَقِيَ ذَاهِلًا حَتَّى رَكَعَ الْإِمَامُ فِي الثَّانِيَةِ فَطَرِيقَانِ أحدهما: كَالْمَزْحُومِ، فَفِي قَوْلٍ: يَرْكَعُ مَعَهُ وَفِي قَوْلٍ: يُرَاعِي تَرْتِيبَ نَفْسِهِ (وَالطَّرِيقُ الثاني: يَلْزَمُهُ اتِّبَاعُهُ قَوْلًا وَاحِدًا وَصَحَّحَهُ الرُّويَانِيِّ.
فرع: الزِّحَامُ يُتَصَوَّرُ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فِي الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ فِيهَا أَغْلَبُ، وَلِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَنْوَاعٌ مِنْ الْإِشْكَالِ وَالْخِلَافِ وَالتَّفْرِيعِ لَا يُتَصَوَّرُ مِثْلُهُ فِي غَيْرِهَا، كَالْخِلَافِ فِي إدْرَاكِ الْجُمُعَةِ بِرَكْعَةٍ مُلَفَّقَةٍ أَوْ حُكْمِيَّةٍ، وَلِأَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ فِيهَا فَلَا يُمْكِنُهُ الْمُفَارَقَةُ مَا دَامَ يَتَوَقَّعُ إدْرَاكَهَا بِخِلَافِ غَيْرِهَا، فَإِذَا زُحِمَ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ عَنْ السُّجُودِ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ حَتَّى رَكَعَ الْإِمَامُ فِي الثَّانِيَةِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ طُرُقٍ حَكَاهَا الرَّافِعِيُّ الصحيح: أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْجُمُعَةِ أصحهما: