فهرس الكتاب
ج / 4 ص -326- وَغَيْرِهِ قَالَ"السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا صِبْيَانُ"وَإِذَا سَلَّمَ عَلَى صَبِيٍّ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَأَصْحَابُنَا: لَا يَلْزَمُهُ الْجَوَابُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُكَلَّفًا، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْجَوَابُ، وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ فِيهِمْ صَبِيٌّ فَرَدَّ الصَّبِيُّ وَلَمْ يَرُدَّ أَحَدٌ مِنْ الْبَالِغِينَ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ: لَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنْهُمْ بِجَوَابِهِ؛ لِأَنَّ الْجَوَابَ فَرْضٌ وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْفَرْضِ، وَقَالَ الشَّاشِيُّ: يَسْقُطُ بِهِ كَمَا يَصِحُّ أَذَانُهُ لِلرَّجُلِ، وَيَحْصُلُ بِهِ أَدَاءُ الشَّعَائِرِ، وَهَذَا الْخِلَافُ شَبِيهٌ بِالْخِلَافِ فِي سُقُوطِ الْفَرْضِ بِصَلَاتِهِ عَلَى الْمَيِّتِ، لَكِنَّ الْأَصَحَّ الْمَنْصُوصَ سُقُوطُهُ فِي صَلَاةِ الْمَيِّتِ، وَالْأَصَحُّ هُنَا خِلَافُهُ، وَلَوْ سَلَّمَ صَبِيٌّ عَلَى بَالِغٍ قَالَ الْقَاضِي وَالْمُتَوَلِّي وَالرَّافِعِيُّ فِي وُجُوبِ الرَّدِّ عَلَيْهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ إسْلَامِهِ وَالصَّحِيحُ: وُجُوبُ الرَّدِّ لِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} (النساء: من الآية86) قَالَ الشَّاشِيُّ: هَذَا الْبِنَاءُ الْمَذْكُورُ فَاسِدٌ، وَهُوَ كَمَا قَالَ.
التاسعة عشرة: سَلَامُ النِّسَاءِ عَلَى النِّسَاءِ كَسَلَامِ الرِّجَالِ عَلَى الرِّجَالِ فِي كُلِّ مَا سَبَقَ؛ قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَوْ سَلَّمَ رَجُلٌ عَلَى امْرَأَةٍ أَوْ امْرَأَةٌ عَلَى رَجُلٍ - فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَحْرَمِيَّةٌ أَوْ زَوْجِيَّةٌ أَوْ كَانَتْ أَمَتَهُ - كَانَ سُنَّةً، وَوَجَبَ الرَّدُّ، وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ إلَّا أَنْ تَكُونَ عَجُوزًا خَارِجَةً عَنْ مَظِنَّةِ الْفِتْنَةِ. قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَإِذَا سَلَّمَ عَلَى شَابَّةٍ أَجْنَبِيَّةٍ لَمْ يَجُزْ لَهَا الرَّدُّ. وَلَوْ سَلَّمَتْ عَلَيْهِ كُرِهَ لَهُ الرَّدُّ عَلَيْهَا، وَلَوْ كَانَ النِّسَاءُ جَمْعًا فَسَلَّمَ عَلَيْهِنَّ الرَّجُلُ أَوْ كَانَ الرِّجَالُ جَمْعًا كَثِيرًا فَسَلَّمُوا عَلَى الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ فَهُوَ سُنَّةٌ - إذَا لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ وَلَا عَلَيْهِنَّ وَلَا عَلَيْهَا فِتْنَةٌ لِحَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ رضي الله عنها قَالَتْ"مَرَّ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي نِسْوَةٍ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه قَالَ:"كَانَتْ فِينَا امْرَأَةٌ"- وَفِي رِوَايَةٍ -"كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ تَأْخُذُ مِنْ أُصُولِ السِّلْقِ فَتَطْرَحُهُ فِي الْقِدْرِ، وَتُكَرْكِرُ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ، فَإِذَا صَلَّيْنَا الْجُمُعَةَ انْصَرَفْنَا نُسَلِّمُ عَلَيْهَا فَتُقَدِّمُهُ إلَيْنَا"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَتُكَرْكِرُ: تَطْحَنُ. وَعَنْ أُمِّ هَانِئٍ رضي الله عنها قَالَتْ"أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْفَتْحِ، وَهُوَ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ تَسْتُرهُ فَسَلَّمْتُ وَذَكَرَتْ تَمَامَ الْحَدِيثِ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الْعِشْرُونَ: فِي السَّلَامِ عَلَى الْمُبْتَدِعِ وَالْفَاسِقِ الْمُجَاهِرِ بِفِسْقِهِ، وَمَنْ ارْتَكَبَ ذَنْبًا عَظِيمًا وَلَمْ يَتُبْ مِنْهُ، وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ أحدهما: مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ وأصحهما: لَا يُسْتَحَبُّ، بَلْ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُسَلِّمَ عَلَيْهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ وَالْبُخَارِيِّ صَاحِبِ الصَّحِيحِ. وَاحْتَجَّ الْبُخَارِيُّ لِلْمَسْأَلَةِ فِي صَحِيحِهِ بِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ حِينَ تَخَلَّفَ هُوَ وَرَفِيقَانِ لَهُ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، قَالَ"وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ كَلَامِنَا قَالَ وَكُنْتُ آتِي رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَأَقُولُ: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ أَمْ لَا؟"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ"لَا تُسَلِّمُوا عَلَى شَرَبَةِ الْخَمْرِ"فَقَالَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ: وَلَا يُرَدُّ السَّلَامُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ وَدَلِيلُهُ حَدِيثُ كَعْبٍ فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَى السَّلَامِ عَلَى الظَّلَمَةِ بِأَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ وَخَافَ تَرَتُّبَ مَفْسَدَةٍ فِي دِينٍ أَوْ دُنْيَا إنْ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ: يَنْوِي حِينَئِذٍ أَنَّ السَّلَامَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تعالى، وَمَعْنَاهُ اللَّهُ رَقِيبٌ عَلَيْكُمْ.
الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: إذَا سَلَّمَ مَجْنُونٌ أَوْ سَكْرَانُ هَلْ يَجِبُ الرَّدُّ عَلَيْهِمَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ أصحهما: أَنَّهُ لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ عِبَارَةَ الْمَجْنُونِ سَاقِطَةٌ وَكَذَا عِبَارَةُ السَّكْرَانِ فِي الْعِبَادَاتِ.