فهرس الكتاب
ج / 5 ص -168- وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَال فِي جِنَازَةِ مَيْمُونَةَ رضي الله عنهما:"إذَا رَفَعْتُمْ نَعْشَهَا فَلا تُزَعْزِعُوهُ وَلا تُزَلزِلوهُ"، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلى خَوْفِ مَفْسَدَةٍ مِنْ الإِسْرَاعِ. وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه قَال:"لقَدْ رَأَيْتنَا وَنَحْنُ نَرْمُل رَمَلًا مَعَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم يَعْنِي بِالجِنَازَةِ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلى الحَاجَةِ إلى زِيَادَةِ الإِسْرَاعِ فِي بَعْضِ الأَحْوَال كَمَا سَبَقَ.
قَال المُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَيُسْتَحَبُّ اتِّبَاعُ الجِنَازَةِ لمَا رَوَى البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ رضي الله عنه قَال:"أَمَرَنَا رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم بِاتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَعِيَادَةِ المَرِيضِ وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَنَصْرِ المَظْلومِ"وَالمُسْتَحَبُّ أَنْ لا يَنْصَرِفَ مَنْ يَتْبَعُ الجِنَازَةَ حَتَّى تُدْفَنَ لمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَال"مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَصَلى عَليْهَا فَلهُ قِيرَاطٌ، وَإِنْ شَهِدَ دَفْنَهَا فَلهُ قِيرَاطَانِ القِيرَاطُ أَعْظَمُ مِنْ أُحُدٍ"."
الشرح: هَذَانِ الحَدِيثَانِ رَوَاهُمَا البُخَارِيُّ وَمُسْلمٌ، وَعَازِبٌ وَالدُ البَرَاءِ صَحَابِيٌّ رضي الله عنهما، وَالتَّشْمِيتُ يُقَال بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ وَبِالمُهْمَلةِ لغَتَانِ، سَبَقَ بَيَانُهُمَا فِي بَابِ هَيْئَةِ الجُمُعَةِ، وَوَقَعَ فِي المُهَذَّبِ القِيرَاطُ أَعْظَمُ مِنْ أُحُدٍ، وَاَلذِي فِي صَحِيحَيْ البُخَارِيِّ وَمُسْلمٍ"القِيرَاطُ مِثْل أُحُدٍ"وَفِي رِوَايَةٍ لهُمَا:"القِيرَاطَانِ مِثْل الجَبَليْنِ العَظِيمَيْنِ"وَفِي رِوَايَةٍ لمُسْلمٍ"أَصْغَرُهُمَا مِثْل أُحُدٍ"قَال القَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ: القِيرَاطُ مِقْدَارٌ مِنْ الثَّوَابِ يَقَعُ عَلى القَليل وَالكَثِيرِ، فَبَيَّنَ فِي هَذَا الحَدِيثِ مِثْل أُحُدٍ. وَاعْلمْ أَنَّ القِيرَاطَيْنِ بِالدَّفْنِ إنَّمَا هُمَا لمَنْ صَلى عَليْهَا، فَيَحْصُل لهُ بِالدَّفْنِ وَالصَّلاةِ جَمِيعًا قِيرَاطَانِ، وَبِالصَّلاةِ عَلى انْفِرَادِهَا قِيرَاطٌ، وَقَدْ جَاءَتْ رِوَايَاتُ الحَدِيثِ فِي الصَّحِيحِ بِبَيَانِ هَذَا، وَلهُ نَظَائِرُ فِي القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَقَدْ أَوْضَحْت كُل هَذَا فِي هَذَا المَوْضِعِ مِنْ شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلمٍ.
أما الأحكام: فَفِيهَا مَسْأَلتَانِ:
إحداهما: قَال الشَّافِعِيُّ وَالأَصْحَابُ: يُسْتَحَبُّ للرِّجَال اتِّبَاعُ الجِنَازَةِ حَتَّى تُدْفَنَ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَليْهِ، للأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِيهِ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَيُكْرَهُ لهُنَّ اتِّبَاعُهَا وَلا يَحْرُمُ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ الذِي قَالهُ أَصْحَابُنَا. وَأَمَّا قَوْل الشَّيْخِ نَصْرٌ المَقْدِسِيُّ رحمه الله: لا يَجُوزُ للنِّسَاءِ اتِّبَاعُ الجِنَازَةِ فَمَحْمُولٌ عَلى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ، فَإِنْ أَرَادَ بِهِ التَّحْرِيمَ فَهُوَ مَرْدُودٌ، مُخَالفٌ لقَوْل الأَصْحَابِ، بَل للحَدِيثِ الصَّحِيحِ، قَالتْ أُمُّ عَطِيَّةَ رضي الله عنها"نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ وَلمْ يُعْزَمْ عَليْنَا"رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلمٌ، وَهَذَا الحَدِيثُ مَرْفُوعٌ، فَهَذِهِ الصِّيغَةُ مَعْنَاهَا رَفْعُهُ إلى رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم كَمَا تَقَرَّرَ فِي كُتُبِ الحَدِيثِ وَالأُصُول، وَقَوْلهَا: وَلمْ يُعْزَمْ عَليْنَا مَعْنَاهُ نُهِينَا نَهْيًا شَدِيدًا غَيْرَ مُحَتَّمٍ، وَمَعْنَاهُ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ ليْسَ بِحَرَامٍ.
وَأَمَّا الحَدِيثُ المَرْوِيُّ عَنْ عَليٍّ رضي الله عنه قَال:"خَرَجَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم فَإِذَا نِسْوَةٌ جُلوسٌ قَال: مَا تَجْلسْنَ؟ قُلنَ: نَنْتَظِرُ الجِنَازَةَ قَال: هَل تُغَسِّلنَ؟ قُلنَ: لا، قَال: هَل تَحْمِلنَ؟ قُلنَ: لا، قَال هَل تُدْلينَ فِيمَنْ يُدْلي؟ قُلنَ: لا، قَال: فَارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ"رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ