فهرس الكتاب
ج / 5 ص -173- قَال المُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"دَفْنُ المَيِّتِ فَرْضٌ عَلى الكِفَايَةِ؛ لأَنَّ فِي تَرْكِهِ عَلى وَجْهِ الأَرْضِ هَتْكًا لحُرْمَتِهِ، وَيَتَأَذَّى النَّاسُ مِنْ1 رَائِحَتِهِ، وَالدَّفْنُ فِي المَقْبَرَةِ أَفْضَل، لأَنَّ"النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَدْفِنُ المَوْتَى بِالبَقِيعِ, وَلأَنَّهُ يَكْثُرُ الدُّعَاءُ لهُ مِمَّنْ يَزُورُهُ وَيَجُوزُ الدَّفْنُ فِي البَيْتِ لأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دُفِنَ فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ رضي الله عنها فَإِنْ قَال بَعْضُ الوَرَثَةِ: يُدْفَنُ فِي المَقْبَرَةِ، وَقَال بَعْضُهُمْ: [يُدْفَنُ] فِي البَيْتِ، دُفِنَ فِي المَقْبَرَةِ، لأَنَّ لهُ حَقًّا فِي البَيْتِ، فَلا يَجُوزُ إسْقَاطُهُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُدْفَنَ فِي أَفْضَل مَقْبَرَةٍ، لأَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه"اسْتَأْذَنَ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنْ يُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيْهِ"وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُجْمَعَ الأَقَارِبُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، لمَا رُوِيَ أَنَّ"النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَرَكَ عِنْدَ رَأْسِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ صَخْرَةً، وَقَال: نُعَلمُ عَلى قَبْرِ أَخِي لأَدْفِنَ إليْهِ مَنْ مَاتَ"وَإِنْ تَشَاحَّ اثْنَانِ فِي مَقْبَرَةٍ مُسَبَّلةٍ قُدِّمَ السَّابِقُ مِنْهُمَا لقَوْلهِ صلى الله عليه وسلم"مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي السَّبْقِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا".
الشرح: حَدِيثُ الدَّفْنِ بِالبَقِيعِ صَحِيحٌ مُتَوَاتِرٌ مَعْرُوفٌ وَالبَقِيعُ بِالبَاءِ المُوَحَّدَةِ: مَدْفَنُ أَهْل المَدِينَةِ وَحَدِيثُ دَفْنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ صَحِيحٌ مُتَوَاتِرٌ وَحَدِيثُ اسْتِئْذَانِ عُمَرَ أَنْ يُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيْهِ صَحِيحٌ، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ وَصَاحِبَاهُ هُمَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه وَحَدِيثُ"مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ"رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الدَّارِمِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ جَيِّدَةٍ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ قَال التِّرْمِذِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَمِنًى المَوْضِعُ المَعْرُوفُ يُنَوَّنُ وَلا يُنَوَّنُ وَالمُنَاخُ بِضَمِّ المِيمِ وَحَدِيثُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ رضي الله عنه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ المُطَّلبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَنْطَبِ، بِفَتْحِ الحَاءِ المُهْمَلةِ وَإِسْكَانِ النُّونِ وَفَتْحِ الطَّاءِ وَهُوَ مِنْ التَّابِعِينَ عَمَّنْ أَخْبَرَهُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَرَأَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حِينَ أَخَذَ الحَجَرَ وَجَعَلهُ عِنْدَ رَأْسِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ"فَهُوَ مُسْنَدٌ لا مُرْسَلٌ لأَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ صَحَابِيٍّ وَالصَّحَابَةُ رضي الله عنهم كُلهُمْ عُدُولٌ لا تَضُرُّ الجَهَالةُ بِأَعْيَانِهِمْ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ رحمه الله عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلمَ قَبْرَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ بِصَخْرَةٍ. وقوله: عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ بِالظَّاءِ المُعْجَمَةِ وَالعَيْنِ المُهْمَلةِ وقوله: وَقَال:"نُعْلمُ عَلى قَبْرِ أَخِي"هُوَ بِضَمِّ النُّونِ وَإِسْكَانِ العَيْنِ، مِنْ الإِعْلامِ الذِي هُوَ فِعْل العَلامَةِ وَقَوْلهُ:"لأَدْفِنَ إليْهِ مَنْ مَاتَ"كَذَا وَقَعَ فِي المُهَذَّبِ، وَاَلذِي فِي كُتُبِ الحَدِيثِ لأَدْفِنَ إليْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلي."
أما الأحكام: فَفِيهِ مَسَائِل:
إحداها: دَفْنُ المَيِّتِ فَرْضُ كِفَايَةٍ بِالإِجْمَاعِ، وَقَدْ عُلمَ أَنَّ فَرْضَ الكِفَايَةِ إذَا تَعَطَّل أَثِمَ بِهِ كُل مَنْ دَخَل فِي ذَلكَ الفَرْضِ دُونَ غَيْرِهِمْ، قَال صَاحِبُ الحَاوِي رحمه الله فِي أَوَّل بَابِ غُسْل المَيِّتِ: قَال الشَّافِعِيُّ رحمه الله: لوْ أَنَّ رُفْقَةً فِي سَفَرٍ مَاتَ أَحَدُهُمْ فَلمْ يَدْفِنُوهُ نُظِرَ إنْ كَانَ ذَلكَ فِي طَرِيقٍ آهِلٍ يَخْتَرِقُهُ المَارَّةُ أَوْ بِقُرْبِ قَرْيَةٍ للمُسْلمِينَ فَقَدْ أَسَاءُوا تَرْكَ الدَّفْنِ وَعَلى مَنْ بِقُرْبِهِ دَفْنُهُ، قَال: وَإِنْ تَرَكُوهُ فِي مَوْضِعٍ لا يَمُرُّ بِهِ أَحَدٌ أَثِمُوا وَعَصَوْا اللهَ تَعَالى وَعَلى السُّلطَانِ أَنْ يُعَاقِبَهُمْ عَلى ذَلكَ إلا أَنْ يَكُونُوا فِي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في بعض النسخ (برائحته) .