فهرس الكتاب
ج / 5 ص -174- مَخَافَةٍ مِنْ عَدُوٍّ يَخَافُونَ إنْ اشْتَغَلوا بِالمَيِّتِ اصْطَلمُوا فَاَلذِي يُخْتَارُ أَنْ يُوَارُوهُ مَا أَمْكَنَهُمْ فَإِنْ تَرَكُوهُ لمْ يَأْثَمُوا لأَنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ قَال الشَّافِعِيُّ رحمه الله: وَلوْ أَنَّ مُجْتَازِينَ مَرُّوا عَلى مَيِّتٍ بِصَحْرَاءَ لزِمَهُمْ القِيَامُ بِهِ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً فَإِنْ تَرَكُوهُ أَثِمُوا ثُمَّ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ بِثِيَابِهِ ليْسَ عَليْهِ أَثَرُ غُسْلٍ وَلا كَفَنٍ لزِمَهُمْ غُسْلهُ وَتَكْفِينُهُ وَالصَّلاةُ عَليْهِ وَدَفَنُوهُ بِحَسَبِ الإِمْكَانِ وَإِنْ كَانَ عَليْهِ أَثَرُ غُسْلٍ وَحَنُوطٍ وَكَفَنٍ دَفَنُوهُ، فَإِنْ اخْتَارُوا الصَّلاةَ عَليْهِ صَلوا بَعْدَ دَفْنِهِ، لأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ صُليَ عَليْهِ. هَذَا آخِرُ كَلامِ صَاحِبِ الحَاوِي رحمه الله.
الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ الدَّفْنُ فِي البَيْتِ وَفِي المَقْبَرَةِ وَالمَقْبَرَةُ أَفْضَل بِالاتِّفَاقِ وَدَليلهُمَا فِي الكِتَابِ، وَفِي مَعْنَى البَيْتِ البُسْتَانُ وَغَيْرُهُ مِنْ المَوَاضِعِ التِي ليْسَتْ فِيهَا مَقَابِرُ فإن قيل كَيْفَ قُلتُمْ الدَّفْنَ فِي المَقْبَرَةِ أَفْضَل؟ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إنَّمَا دُفِنَ فِي البَيْتِ فالجواب: مِنْ ثَلاثَةِ أَوْجُهٍ (أَشْهُرُهَا) وَهُوَ جَوَابُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَفَنَ أَصْحَابَهُ فِي المَقْبَرَةِ فَكَانَ الاقْتِدَاءُ بِفِعْلهِ أَوْلى، وَإِنَّمَا دُفِنَ هُوَ صلى الله عليه وسلم فِي الحُجْرَةِ؛ لأَنَّهُمْ اخْتَلفُوا فِي مَدْفَنِهِ فَقَال أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه"سَمِعْت رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُول:"مَا قَبَضَ اللهُ نَبِيًّا إلا فِي المَوْضِعِ الذِي يَجِبُ أَنْ يُدْفَنَ فِيهِ فَادْفِنُوهُ فِي مَوْضِعِ فِرَاشِهِ؛ وَلأَنَّهُمْ خَصُّوهُ بِالحُجْرَةِ لكَثْرَةِ زَائِرِيهِ وَقَاصِدِيهِ ليُخِفَّ عَليْهِمْ بِقُرْبِهِ الثاني أَجَابَ بِهِ المُتَوَلي [أَنَّهُ يَحْدُثُ] مِنْ دَفْنِهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَعْضِ المَقَابِرِ التَّنَازُعُ وَالتَّنَافُسُ فِيهِ فَيَطْلبُهُ كُل قَبِيلةٍ ليُدْفَنَ عِنْدَهُمْ، الثَّالثُ: ذَكَرَهُ المُتَوَلي أَيْضًا؛ وَهُوَ أَنَّهُمْ فَعَلوهُ صِيَانَةً لقَبْرِهِ لئَلا يَزْدَحِمَ النَّاسُ عَليْهِ وَيَنْتَهِكُوهُ وَهَذَا الجَوَابُ ضَعِيفٌ؛ لأَنَّ الازْدِحَامَ فِي المَسْجِدِ أَكْثَرُ وَاَللهُ أَعْلمُ.
الثالثة: لوْ قَال بَعْضُ الوَرَثَةِ: يُدْفَنُ فِي مِلكِ المَيِّتِ، وَقَال بَعْضُهُمْ: بَل فِي المَقْبَرَةِ المُسَبَّلةِ دُفِنَ فِي المَقْبَرَةِ بِلا خِلافٍ لمَا ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ، فَلوْ بَادَرَ أَحَدُهُمْ وَدَفَنَهُ فِي بَيْتِ المَيِّتِ؛ قَال أَصْحَابُنَا: كَانَ للبَاقِينَ نَقْلهُ لكِنْ يُكْرَهُ ذَلكَ لهُمْ فَلوْ قَال بَعْضُهُمْ: يُدْفَنُ فِي مِلكِي لمْ يَلزَمْ البَاقِينَ قَبُولهُ لأَنَّ عَليْهِمْ مِنَّةً، فَلوْ بَادَرَ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَدَفَنَهُ فِي مِلكِ نَفْسِهِ أَوْ كَفَّنَهُ مِنْ مَال نَفْسِهِ قَال ابْنُ الصَّبَّاغِ: لمْ يَذْكُرْهُ الأَصْحَابُ قَال: وَعِنْدِي أَنَّهُ لا يُنْقَل وَلا يُنْزَعُ كَفَنُهُ بَعْدَ دَفْنِهِ؛ لأَنَّهُ ليْسَ فِي تَبَعِيَّتِهِ إسْقَاطُ حَقِّ أَحَدٍ، وَفِي نَقْلهِ هَتْكُ حُرْمَتِهِ، وَهَذَا الذِي اخْتَارَهُ صَاحِبُ الشَّامِل جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ، وَلوْ اتَّفَقُوا عَلى دَفْنِهِ فِي مِلكِ المَيِّتِ ثُمَّ بَاعَتْهُ الوَرَثَةُ لمْ يَكُنْ للمُشْتَرِي نَقْلهُ وَلهُ الخِيَارُ فِي فَسْخِ البَيْعِ، إنْ كَانَ جَاهِلًا بِدَفْنِهِ، ثُمَّ إذَا بَليَ أَوْ اتَّفَقَ نَقْلهُ فَهَل يَكُونُ المَدْفُونُ للبَائِعَيْنِ، أَمْ للمُشْتَرِي؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا القَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ سَيَأْتِي نَظَائِرُهُمَا فِي البَيْعِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى
مِنْهَا: لوْ بَاعَ شَجَرَةً أَوْ بُسْتَانًا وَاسْتَثْنَى مِنْهُ شَجَرَةً بِعَيْنِهَا ثُمَّ قَلعَهَا فَهَل يَبْقَى الغَرْسُ عَلى مِلكِ البَائِعِ؟ أَمْ يَكُونُ للمُشْتَرِي؟ فِيهِ وَجْهَانِ يُعَبَّرُ عَنْهُمَا بِأَنَّهُ هَل تَتْبَعُ الشَّجَرَةُ، أصحهما: لا تَتْبَعُهَا.
الرابعة: قَال الشَّافِعِيُّ وَالمُصَنِّفُ وَأَصْحَابُنَا رحمهم الله: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُجْمَعَ الأَقَارِبُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ المَقْبَرَةِ لمَا ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ، قَال البَنْدَنِيجِيُّ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَدَّمَ الأَبُ إلى القِبْلةِ ثُمَّ الأَسَنُّ فَالأَسَنُّ.