فهرس الكتاب
ج / 5 ص -175- الخامسة: لوْ سَبَقَ اثْنَانِ إلى مَقْبَرَةٍ مُسَبَّلةٍ وَتَشَاحَّا فِي مَكَان قُدِّمَ الأَسْبَقُ فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي السَّبْقِ قُدِّمَ بِالقُرْعَةِ.
السادسة: قَال الشَّافِعِيُّ فِي الأُمِّ وَالقَدِيمِ وَجَمِيعُ الأَصْحَابِ: يُسْتَحَبُّ الدَّفْنُ فِي أَفْضَل مَقْبَرَةٍ فِي البَلدِ لمَا ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ، وَلأَنَّهُ أَقْرَبُ إلى الرَّحْمَةِ قَالوا: وَمِنْ ذَلكَ المَقَابِرُ المَذْكُورَةُ بِالخَيْرِ وَدَفْنُ الصَّالحِينَ فِيهَا.
قَال المُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَلا يُدْفَنُ مَيِّتٌ فِي مَوْضِعٍ فِيهِ مَيِّتٌ إلا أَنْ يُعْلمَ أَنَّهُ قَدْ بَليَ، وَلمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَيَرْجِعُ فِيهِ إلى أَهْل الخِبْرَةِ بِتِلكَ الأَرْضِ وَلا يُدْفَنُ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ اثْنَانِ"لأَنَّ"النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لمْ يَدْفِنْ فِي كُل قَبْرٍ إلا وَاحِدًا"فَإِنْ دَعَتْ إلى ذَلكَ ضَرُورَةٌ جَازَ، لأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَجْمَعُ الاثْنَيْنِ مِنْ قَتْلى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُول: أَيُّهُمَا كَانَ أَكْثَرَ أَخْذًا للقُرْآنِ، فَإِذَا أُشِيرَ إلى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ إلى اللحْدِ، وَإِنْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ أَنْ يُدْفَنَ مَعَ امْرَأَةٍ رَجُلٌ جُعِل بَيْنَهُمَا حَائِلٌ مِنْ التُّرَابِ وَجُعِل الرَّجُل أَمَامَهَا اعْتِبَارًا بِحَال الحَيَاةِ"."
الشرح: قَوْلهُ:"إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لمْ يَدْفِنْ فِي كُل قَبْرٍ إلا وَاحِدًا"هَذَا صَحِيحٌ مَعْرُوفٌ فِي الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَالمُرَادُ بِهِ فِي حَال الاخْتِيَارِ وَأَمَّا: قَوْلهُ: لأَنَّ"النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ مِنْ قَتْلى أُحُدٍ"إلى آخِرِهِ فَرَوَاهُ البُخَارِيُّ رحمه الله مِنْ رِوَايَةِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه.
أما الأحكام: فَفِيهِ مَسْأَلتَانِ:
إحْدَاهُمَا: لا يَجُوزُ أَنْ يُدْفَنَ مَيِّتٌ فِي مَوْضِعِ مَيِّتٍ حَتَّى يَبْلى الأَوَّل، بِحَيْثُ لا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ لا لحْمٌ وَلا عَظْمٌ. وَهَذَا الذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ المَنْعِ مِنْ دَفْنِ مَيِّتٍ عَلى مَيِّتٍ هُوَ مَنْعُ تَحْرِيمٍ، صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا، مِمَّنْ صَرَّحَ بِتَحْرِيمِهِ1 وَأَمَّا قَوْل الرَّافِعِيِّ رحمه الله: المُسْتَحَبُّ فِي حَال الاخْتِيَارِ أَنْ يُدْفَنَ كُل إنْسَانٍ فِي قَبْرٍ، فَمُتَأَوَّلٌ عَلى مُوَافَقَةِ الأَصْحَابِ، قَال أَصْحَابُنَا رحمهم الله: وَيُسْتَدَامُ المَنْعُ مَهْمَا بَقِيَ مِنْ المَيِّتِ شَيْءٌ مِنْ لحْمٍ أَوْ عَظْمٍ، وَقَدْ صَرَّحَ المُصَنِّفُ بِهَذَا فِي قَوْلهِ: وَلمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ. فَأَمَّا إذَا بَليَ وَلمْ يَبْقَ عَظْمٌ، بَل انْمَحَقَ جِسْمُهُ وَعَظْمُهُ وَصَارَ تُرَابًا، فَيَجُوزُ بَعْدَ ذَلكَ الدَّفْنُ فِي مَوْضِعِهِ بِلا خِلافٍ، قَال القَاضِي حُسَيْنٌ وَالبَغَوِيُّ وَالمُتَوَلي وَسَائِرُ الأَصْحَابِ رحمهم الله: وَلا يَجُوزُ بَعْدَ البِلى أَنْ يُسَوَّى عَليْهِ التُّرَابُ، وَيَعْمُرُ عِمَارَةَ قَبْرٍ جَدِيدٍ إنْ كَانَ فِي مَقْبَرَةٍ مُسَبَّلةٍ، لأَنَّهُ يُوهِمُ النَّاسَ أَنَّهُ جَدِيدٌ فَيَمْتَنِعُونَ مِنْ الدَّفْنِ فِيهِ، بَل يَجِبُ تَرْكُهُ خَرَابًا ليُدْفَنَ فِيهِ مَنْ أَرَادَ الدَّفْنَ، قَال المُصَنِّفُ وَالأَصْحَابُ رحمهم الله: وَالرُّجُوعُ فِي مُدَّةِ البِلى إلى أَهْل الخِبْرَةِ بِتِلكَ النَّاحِيَةِ وَالمَقْبَرَةِ، قَالوا: فَلوْ حَفَرَهُ فَوَجَدَ فِيهِ عِظَامَ المَيِّتِ أَعَادَ القَبْرَ، وَلمْ يُتْمِمْ حَفْرَهُ، قَال أَصْحَابُنَا: إلا أَنَّ الشَّافِعِيَّ رحمه الله قَال: فَلوْ فَرَغَ مِنْ القَبْرِ وَظَهَرَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ العِظَامِ لمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يُجْعَل فِي جَنْبِ القَبْرِ، وَيُدْفَنَ الثَّانِي مَعَهُ وَكَذَا لوْ دَعَتْ الحَاجَةُ إلى دَفْنِ الثَّانِي مَعَ العِظَامِ دُفِنَ مَعَهَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 بياض بالأصل قلت: قد صرح بتحريمه صاحب البيان والروياني في"البحر"وغيرهما من الأصحاب (ط) .