فهرس الكتاب

الصفحة 181 من 4102

ج / 1 ص -52- لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجَسْ"، وَإِنْ زَالَ بِأَخْذِ بَعْضِهِ طَهُرَ بِلَا خِلَافٍ بِشَرْطٍ أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي بَعْدَ الْأَخْذِ قُلَّتَيْنِ، فَإِنْ بَقِيَ دُونَهُمَا لَمْ يَطْهُرْ بِلَا خِلَافٍ. وَيُتَصَوَّرُ زَوَالُ تَغَيُّرِهِ بِأَخْذِ بَعْضِهِ بِأَنْ يَكُونَ كَثِيرًا لَا يَدْخُلُهُ الرِّيحُ، فَإِذَا نَقَصَ دَخَلَتْهُ وَقَصَرَتْهُ وَكَذَلِكَ الشَّمْسُ فَيَطِيبُ، ثُمَّ إذَا زَالَ التَّغَيُّرُ وَحَكَمْنَا بِطَهَارَتِهِ ثُمَّ تَغَيَّرَ، فَهُوَ بَاقٍ عَلَى طَهَارَتِهِ وَلَا أَثَرَ لِتَغَيُّرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ طَاهِرٌ تَغَيَّرَ بِغَيْرِ نَجَاسَةٍ لَافِتَةٍ فَكَانَ طَاهِرًا كَاَلَّذِي لَمْ يَنْجَسْ قَطُّ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْحَاوِي، وَهُوَ ظَاهِرٌ لَا خَفَاءَ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَإِنْ طُرِحَ فِيهِ تُرَابٌ أَوْ جِصٌّ فَزَالَ التَّغَيُّرُ فَفِيهِ قَوْلَانِ، قَالَ فِي الْأُمِّ": لَا يَطْهُرُ كَمَا لَا يَطْهُرُ إذَا طُرِحَ فِيهِ كَافُورٌ أَوْ مِسْكٌ فَزَالَتْ رَائِحَةُ النَّجَاسَةِ، وَقَالَ فِي حَرْمَلَةَ: يَطْهُرُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ قَدْ زَالَ فَصَارَ كَمَا لَوْ زَالَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَاءٍ آخَرَ، وَيُفَارِقُ الْكَافُورَ وَالْمِسْكَ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الرَّائِحَةُ بَاقِيَةً، وَإِنَّمَا لَمْ تَطْهُرْ لِغَلَبَةِ رَائِحَةِ الْكَافُورِ وَالْمِسْكِ).

الشرح: هَذَانِ الْقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ: أَنَّ أَحَدَهُمَا فِي"الأم"وَالْآخَرَ فِي حَرْمَلَةَ، وَكَذَا قَالَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: الْقَوْلَانِ نَقَلَهُمَا حَرْمَلَةُ وَنَقَلَهُمَا الْمُزَنِيّ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ: هَذَانِ الْقَوْلَانِ نَقَلَهُمَا الْمُزَنِيّ فِي جَامِعِهِ الْكَبِيرِ عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ: نُصَّ عَلَيْهِمَا فِي رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ، وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي عَامَّةِ كُتُبِهِ: يَطْهُرُ، وَقَالَ فِي حَرْمَلَةَ: لَا يَطْهُرُ، كَذَا قَالَ فِي التَّجْرِيدِ عَنْ حَرْمَلَةَ لَا يَطْهُرُ، وَهُوَ خِلَافُ مَا نَقَلَ هُوَ فِي الْمَجْمُوعِ، وَصَاحِبُ"المهذب"، وَالْجُمْهُورُ عَنْ حَرْمَلَةَ: أَنَّهُ يَطْهُرُ، وَلَكِنْ ذَكَرْنَا عَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَصَاحِبِ الشَّامِلِ أَنَّهُمَا نَقَلَا عَنْ حَرْمَلَةَ نَقْلَ الْقَوْلَيْنِ فَصَحَّ نَقْلُهُ فِي التَّجْرِيدِ عَنْ حَرْمَلَةَ وَنَقْلُ الْأَصْحَابِ.

ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمُصَنِّفُونَ فِي الْأَصَحِّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ، فَصَحَّحَ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَفِي التَّنْبِيهِ، وَشَيْخُهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْجُرْجَانِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَغَيْرُهُمْ الطَّهَارَةَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ وَالْقَاضِي وَأَبِي حَامِدٍ الْمَرُّوذِيِّ، وَصَحَّحَ الْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ الْمُخْتَارُ، مِمَّنْ صَحَّحَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ"المجموع"وَالتَّجْرِيدِ وَالْفُورَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَقَطَعَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ فِي الْكَافِي وَآخَرُونَ. وَاحْتَجَّ لَهُ الْمُتَوَلِّي بِأَنَّهُ وَقَعَ الشَّكُّ فِي زَوَالِ التَّغَيُّرِ، وَإِذَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي سَبَبِ الْإِبَاحَةِ لَمْ تَثْبُتْ الْإِبَاحَةُ، كَمَا لَوْ رَأَى شَاةً مَذْبُوحَةً فِي مَوْضِعٍ فِيهِ مُسْلِمُونَ وَمَجُوسٌ، وَشَكَّ هَلْ ذَبَحَهَا الْمَجُوسِيُّ أَوْ الْمُسْلِمُ ؟ لَا تُبَاحُ.

وَاعْلَمْ أَنَّ صُورَةَ الْمسألة:أَنْ يَكُونَ كَدِرًا وَلَا تَغَيُّرَ فِيهِ، أَمَّا إذَا صَفَا فَلَا يَبْقَى خِلَافٌ، بَلْ إنْ كَانَ التَّغَيُّرُ مَوْجُودًا فَنَجِسٌ قَطْعًا وَإِلَّا فَطَاهِرٌ قَطْعًا، كَذَا صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ التَّغَيُّرُ بِالطَّعْمِ أَوْ اللَّوْنِ أَوْ الرَّائِحَةِ فَفِي الْجَمِيعِ الْقَوْلَانِ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو بْنُ الصَّلَاحِ رحمه الله: عِنْدِي أَنَّ الْقَوْلَيْنِ إذَا تَغَيَّرَ بِالرَّائِحَةِ، فَأَمَّا إذَا تَغَيَّرَ بِالطَّعْمِ أَوْ اللَّوْنِ فَلَا يَطْهُرُ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ يَسْتَتِرُ بِالتُّرَابِ، قَالَ: وَهَذَا تَحْقِيقٌ لَوْ عُرِضَ عَلَى الْأَئِمَّةِ لَقَبِلُوهُ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ رحمه الله خِلَافُ ظَاهِرِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، وَخِلَافُ مُقْتَضَى إطْلَاقِ مَنْ أَطْلَقَ مِنْهُمْ، وَخِلَافُ تَصْرِيحِ الْبَاقِينَ، فَقَدْ صَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنْ كِبَارِهِمْ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ، قَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ: إنْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ فَوَرَدَ عَلَيْهِ مَا لَهُ لَوْنٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت