فهرس الكتاب

الصفحة 1820 من 4102

ج / 5 ص -186- فرع: فِي مَذَاهِبِ العُلمَاءِ فِي كَيْفِيَّةِ إدْخَال المَيِّتِ القَبْرَ

قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يُوضَعَ رَأْسُهُ عِنْدَ رِجْل القَبْرِ، ثُمَّ يُسَل سَلًّا وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: يُوضَعُ عَرْضًا مِنْ نَاحِيَةِ القِبْلةِ ثُمَّ يَدْخُل للقَبْرِ مُعْتَرِضًا وَحَكَى ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسِ بْنِ مَالكٍ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ الخِطْمِيِّ الصَّحَابِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ مِثْل مَذْهَبِنَا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَاخْتَارَهُ ابْنُ المُنْذِرِ، وَعَنْ عَليِّ بْنِ أَبِي طَالبٍ رضي الله عنه وَابْنِهِ مُحَمَّدٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَال مَالكٌ رحمه الله: كِلاهُمَا سَوَاءٌ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ كَمَذْهَبِنَا.

وَاحْتَجَّ لأَبِي حَنِيفَةَ بِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أُدْخِل مِنْ جِهَةِ القِبْلةِ"وَلأَنَّ جِهَةَ القِبْلةِ أَفْضَل. وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَالأَصْحَابُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"سُل مِنْ قِبَل رَأْسِهِ"وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ يُحْتَجُّ بِهِ وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ الخِطْمِيِّ الأَنْصَارِيِّ الصَّحَابِيِّ"أَنَّهُ صَلى عَلى جِنَازَةٍ ثُمَّ أَدْخَلهُ القَبْرَ مِنْ قِبَل رِجْل القَبْرِ وَقَال: هَذَا مِنْ السُّنَّةِ،"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالبَيْهَقِيُّ وَقَال فِيهِ هَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ. وَقَوْل الصَّحَابِيِّ:"مِنْ السُّنَّةِ كَذَا"مَرْفُوعٌ، وَلأَنَّ سَلهُ مِنْ قِبَل رَأْسِهِ هُوَ المَعْرُوفُ عَنْ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ عَمَل المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ بِمَكَّةَ وَالمَدِينَةِ، كَذَلكَ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي الأُمِّ وَغَيْرُهُ مِنْ العُلمَاءِ عَنْ أَهْل مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَهُمْ بِأُمُورِ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم أَعْلمُ مِنْ غَيْرِهِمْ.

وَأَمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ الحَنَفِيَّةُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَبُرَيْدَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أُدْخِل مِنْ قِبَل القِبْلةِ فَكُلهَا رِوَايَاتٌ ضَعِيفَةٌ رَوَاهَا البَيْهَقِيُّ وَبَيَّنَ ضَعْفَهَا، وَلا يُقْبَل قَوْل التِّرْمِذِيِّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ حَسَنٌ، لأَنَّهُ رَوَاهُ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ الحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ المُحَدِّثِينَ، وَهَذَا الجَوَابُ إنَّمَا يُحْتَاجُ إليْهِ لتَصَوُّرِ إدْخَالهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ جِهَةِ القِبْلةِ. وَقَدْ قَال الشَّافِعِيُّ فِي الأُمِّ وَالأَصْحَابُ: إنَّ هَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ. وَأَطْنَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الأُمِّ فِي الشَّنَاعَةِ عَلى مَنْ يَقُول ذَلكَ، وَنَسَبَهُ إلى الجَهَالةِ وَمُكَابَرَةِ الحِسِّ، وَإِنْكَارِ العَيْنِ. قَال القَاضِي حُسَيْنٌ وَإِمَامُ الحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ: هَذَا الذِي نَقَلوهُ مِنْ أَقْبَحِ الغَلطِ لأَنَّ شِقَّ قَبْرِهِ صلى الله عليه وسلم لاصِقٌ بِالجِدَارِ وَلحْدَهُ تَحْتَ الجِدَارِ، وَليْسَ هُنَاكَ مَوْضِعٌ يُوضَعُ فِيهِ - هَذَا كَلامُ القَاضِي وَمُوَافِقِيهِ - وَرَأَيْت أَنَا فِي الأُمِّ مِثْلهُ وَزِيَادَةً.

قَال الشَّافِعِيُّ: الجِدَارُ الذِي تَحْتَهُ مِثْلهُ وَاللحْدُ تَحْتَ الجِدَارِ فَكَيْفَ يُدْخَل مُعْتَرِضًا؟ وَاللحْدُ لاصِقٌ بِالجِدَارِ لا يَقِفُ عَليْهِ شَيْءٌ، وَلا يُمْكِنُ إلا أَنْ يُسَل سَلًّا أَوْ يُدْخَل مِنْ غَيْرِ القِبْلةِ. قَال: وَأُمُورُ المَوْتَى وَإِدْخَالهُمْ القَبْرَ مِنْ الأُمُورِ المَشْهُورَةِ عِنْدَنَا، لكَثْرَةِ المَوْتِ وَحُضُورِ الأَئِمَّةِ وَأَهْل الثِّقَةِ، وَهُوَ مِنْ الأُمُورِ العَامَّةِ التِي يُسْتَغْنَى فِيهَا عَنْ الحَدِيثِ فَيَكُونُ الحَدِيثُ فِيهَا كَالتَّكَلفِ1 لاشْتِرَاكِ النَّاسِ فِي مَعْرِفَتِهَا؛ وَرَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم وَالمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، يَنْقُل العَامَّةُ عَنْ العَامَّةِ لا يَخْتَلفُونَ فِي ذَلكَ أَنَّ المَيِّتَ يُسَل سَلًّا، ثُمَّ جَاءَنَا آتٍ مِنْ غَيْرِ بَلدِنَا يُعَلمُنَا كَيْفَ المَيِّتُ، ثُمَّ لمْ يَرْضَ حَتَّى رَوَى عَنْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 في ش و ق: كالتكليف (ط) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت