ج / 5 ص -252- يَعْنِي أَنَّ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ اجْتَمَعَ فِيهَا تَقْدِيرُ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَمْرُ اللهِ تَعَالى وَإِيجَابُهُ"وَأَمَّا عَلى رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه فَتَكُونُ الجُمْلةُ الثَّانِيَةُ بَدَلًا مِنْ الأُولى وَوَقَعَ فِي المُهَذَّبِ:"هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ التِي فَرَضَ اللهُ تَعَالى عَلى المُسْلمِينَ"وَاَلذِي فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ وَكُتُبِ الحَدِيثِ المَشْهُورَةِ التِي فَرَضَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم وَوَقَعَ فِي المُهَذَّبِ التِي أَمَرَ اللهُ بِهَا رَسُولهُ صلى الله عليه وسلم وَليْسَتْ لفْظَةُ"بِهَا"فِي البُخَارِيِّ."
وَوَقَعَ فِي المُهَذَّبِ: فَمَنْ سَأَلهَا عَلى وَجْهِهَا فَليُعْطَهَا، وَمَنْ سَأَل فَوْقَهَا فَلا يُعْطَهُ بِفَتْحِ الطَّاءِ فِيهِمَا، وَاَلذِي فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الحَدِيثِ المُعْتَمَدَةِ فَمَنْ سُئِلهَا عَلى وَجْهِهَا فَليُعْطَهَا، وَمَنْ سُئِل بِضَمِّ السِّينِ فِي المَوْضِعَيْنِ عَلى مَا لمْ يُسَمَّ فَاعِلهُ وَبِكَسْرِ الطَّاءِ. قوله: فَمَنْ سُئِلهَا عَلى وَجْهِهَا أَيْ: حَسْبَ مَا شُرِعَتْ لهُ قوله: صلى الله عليه وسلم"وَمَنْ سُئِل فَوْقَهَا فَلا يُعْطَهُ"اخْتَلفَ أَصْحَابُنَا فِي الضَّمِيرِ فِي لا يُعْطَهُ عَلى وَجْهَيْنِ مَشْهُورِينَ فِي كُتُبِ المَذَاهِبِ أصحهما: عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّ مَعْنَاهُ لا يُعْطَى الزَّائِدَ، بَل يُعْطَى أَصْل الوَاجِبِ عَلى وَجْهِهِ، كَذَا صَحَّحَهُ أَصْحَابُنَا فِي كُتُبِهِمْ، وَنَقَل الرَّافِعِيُّ الاتِّفَاقَ عَلى تَصْحِيحِهِ.
وَالوَجْهُ الثَّانِي: مَعْنَاهُ: لا يُعْطَى فَرْضُ الزَّكَاةِ وَلا شَيْءٌ مِنْهُ لهَذَا السَّاعِي، بَل يُخْرِجُ الوَاجِبَ بِنَفْسِهِ أَوْ يَدْفَعُهُ إلى سَاعٍ آخَرَ، قَالوا: لأَنَّهُ بِطَلبِهِ الزَّائِدَ عَلى الوَاجِبِ يَكُونُ مُعْتَدِيًا فَاسِقًا، وَشَرْطُ السَّاعِي أَنْ يَكُونَ أَمِينًا. وَهَذَا إذَا طَلبَ الزَّائِدَ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ كَمَنْ طَلبَ شَاتَيْنِ عَنْ شَاةٍ، فَأَمَّا مَنْ طَلبَ زِيَادَةً بِتَأْوِيلٍ بِأَنْ كَانَ مَالكِيًّا يَرَى أَخْذَ الكَبِيرَةِ عَنْ الصِّغَارِ، فَإِنَّهُ الوَاجِبُ بِلا خِلافٍ وَلا يُعْطَى الزَّائِدَ؛ لأَنَّهُ لا يَفْسُقُ وَلا يَعْصِي وَالحَالةُ هَذِهِ.
قَال صَاحِبُ الحَاوِي وَغَيْرُهُ: وَإِذَا قُلنَا بِالوَجْهِ الثَّانِي أَنَّهُ لا يُعْطَى، فَلا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى، فَجَعَلوهُ حَرَامًا، وَهُوَ مُقْتَضَى النَّهْيِ وَمُقْتَضَى قَوْلهِمْ: أَنَّهُ فَسَقَ بِطَلبِ الزِّيَادَةِ فَانْعَزَل، فَلا يَجُوزُ الدَّفْعُ إليْهِ كَسَائِرِ الأَجَانِبِ.
وقوله: صلى الله عليه وسلم"فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الإِبِل فَمَا دُونَهَا الغَنَمُ"هَذِهِ جُمْلةٌ مِنْ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ، فَالغَنَمُ مُبْتَدَأٌ وَفِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، قَال بَعْضُ العُلمَاءِ: الحِكْمَةُ هُنَا فِي تَقْدِيمِ الخَبَرِ أَنَّ المَقْصُودَ بَيَانُ النِّصَابِ، وَالزَّكَاةُ إنَّمَا تَجِبُ بَعْدَ وُجُودِ النِّصَابِ، فَكَانَ تَقْدِيمُهُ أَحْسَنَ، ثُمَّ ذَكَرَ الوَاجِبَ، وَكَذَا اُسْتُعْمِل هَذَا المَعْنَى فِي كُل النُّصُبِ، فَقَال صلى الله عليه وسلم"فِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ، فِيهَا بِنْتُ لبُونٍ، فِيهَا حِقَّةٌ"إلى آخِرِهِ. وقوله: صلى الله عليه وسلم"فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الإِبِل فَمَا دُونَهَا الغَنَمُ"مُجْمَلٌ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِأَنَّ فِي كُل خَمْسٍ شَاةً.
وقوله: صلى الله عليه وسلم"بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى"قِيل: احْتِرَازٌ مِنْ الخُنْثَى، وَقِيل: غَيْرُهُ، وَالأَصَحُّ أَنَّهُ تَأْكِيدٌ لشِدَّةِ الاعْتِنَاءِ، كَقَوْلهِمْ رَأَيْتُ بِعَيْنِي وَسَمِعْتُ بِأُذُنِي وقوله: صلى الله عليه وسلم"وَلا يُخْرِجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةً وَلا ذَاتَ عَوَارٍ"وَالعَوَارُ: بِفَتْحِ العَيْنِ وَضَمِّهَا وَالفَتْحُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ وَهُوَ العَيْبُ وأما: قَوْلهُ صلى الله عليه وسلم"وَلا يُخْرِجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلا ذَاتُ عَوَارٍ وَلا تَيْسٌ إلا مَا شَاءَ المُصَّدِّقُ"وَفِي رِوَايَاتِ أَبِي دَاوُد إلا أَنْ يَشَاءَ المُصَدِّقُ