ج / 5 ص -268- دِرْهَمًا تَقْدِيرًا فِي جُبْرَانِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَلمْ يَكِل الأَمْرَ فِي ذَلكَ إلى اجْتِهَادِ السَّاعِي وَغَيْرِهِ؛ لأَنَّ السَّاعِيَ إنَّمَا يَأْخُذُ مِنْهُمْ الزَّكَاةَ عِنْدَ المِيَاهِ غَالبًا، وَليْسَ هُنَاكَ حَاكِمٌ وَلا مُقَوِّمٌ يَفْصِل بَيْنَهُمَا إذَا اخْتَلفَا فَضُبِطَتْ بِقِيمَةٍ شَرْعِيَّةٍ كَالصَّاعِ فِي المُصَرَّاةِ أَوْ الغُرَّةِ فِي الجَنِينِ، وَمِائَةٍ مِنْ الإِبِل فِي قَتْل النَّفْسِ قَطْعًا للتَّنَازُعِ.
فرع: فِي أَلفَاظِ الكِتَابِ
حَدِيثُ أَنَسٍ فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَّل البَابِ، قَوْلهُ:"وَمَنْ بَلغَتْ عِنْدَهُ مِنْ الإِبِل صَدَقَةُ الجَذَعَةِ"لفْظُ"صَدَقَةُ"مَرْفُوعٌ غَيْرُ مُنَوَّنٍ، بَل مُضَافٌ إلى الجَذَعَةِ"وَالجَذَعَةِ"مَجْرُورٌ بِالإِضَافَةِ. وَكَذَا قَوْلهُ بَعْدَهُ صَدَقَةُ الحِقَّةِ. وَأَمَّا المُصَدِّقُ المَذْكُورُ فِي الفَصْل، فَهُوَ السَّاعِي، وَهُوَ بِتَخْفِيفِ الصَّادِ. وَأَمَّا المَالكُ، فَالمَشْهُورُ فِيهِ المُصَّدِّقُ بِتَشْدِيدِ الصَّادِ وَكَسْرِ الدَّال عَلى المَشْهُورِ، وَقِيل: يُقَال بِتَخْفِيفِ الصَّادِ، وَقَال الخَطَّابِيُّ: هُوَ بِفَتْحِ الدَّال.
فرع: فِي مَذَاهِبِ العُلمَاءِ فِيمَنْ وَجَبَ عَليْهِ سِنٌّ وَفَقَدَهَا
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ يُخْرِجُ أَعْلى مِنْهَا بِسَنَةٍ، وَيَأْخُذُ جُبْرَانًا أَوْ أَسْفَل بِسَنَةٍ وَيَدْفَعُ جُبْرَانًا، وَهُوَ شَاتَانِ أَوْ عِشْرُونَ دِرْهَمًا. وَبِهِ قَال إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ. وَحَكَى ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَليٍّ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَإِسْحَاقَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَنَّ الجُبْرَانَ شَاتَانِ أَوْ عَشْرَةُ دَرَاهِمَ. وَعَنْ مَكْحُولٍ وَالأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ يَجِبُ قِيمَةُ السِّنِّ الوَاجِبِ. وَعَنْ مَالكٍ أَنَّهُ يَلزَمُ رَبَّ المَال شِرَاءُ ذَلكَ السِّنِّ. وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُليْمَانَ: السَّاعِي يَأْخُذُ السِّنَّ المَوْجُودَ عِنْدَهُ، وَيَجِبُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِمَا. احْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ أَنَسٍ السَّابِقِ فِي أَوَّل البَابِ. وَاحْتُجَّ لعَليٍّ رضي الله عنه وَمُوَافِقِيهِ بِحَدِيثٍ ضَعِيفٍ، وَاَللهُ تَعَالى أَعْلمُ.
قَال المُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَإِنْ اتَّفَقَ فِي نِصَابٍ فَرْضَانِ كَالمِائَتَيْنِ هِيَ نِصَابُ خَمْسِ بَنَاتِ لبُونٍ، وَنِصَابُ أَرْبَعِ حِقَاقٍ، فَقَدْ قَال فِي الجَدِيدِ: تَجِبُ أَرْبَعُ حِقَاقٍ أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ لبُونٍ وَقَال فِي القَدِيمِ: تَجِبُ أَرْبَعُ حِقَاقٍ. فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَال: يَجِبُ أَحَدُ الفَرْضَيْنِ قَوْلًا وَاحِدًا. وَمِنْهُمْ مَنْ قَال: فِيهِ قَوْلانِ: أحدهما: تَجِبُ الحِقَاقُ؛ لأَنَّهُ إذَا أَمْكَنَ تَغَيُّرُ الفَرْضِ بِالسِّنِّ لمْ يُغَيَّرْ بِالعَدَدِ. كَمَا قُلنَا فِيمَا قَبْل المِائَتَيْنِ والثاني: يَجِبُ أَحَدُ الفَرْضَيْنِ لمَا رَوَى سَالمٌ فِي نُسْخَةِ كِتَابِ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم"فَإِذَا كَانَتْ مِائَتَيْنِ فَفِيهَا أَرْبَعُ حِقَاقٍ أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ لبُونٍ، فَعَلى هَذَا إنْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا تَعَيَّنَ إخْرَاجُهُ؛ لأَنَّ المُخَيَّرَ فِي الشَّيْئَيْنِ إذَا تَعَذَّرَ عَليْهِ أَحَدُهُمَا تَعَيَّنَ عَليْهِ الآخَرُ كَالمُكَفِّرِ عَنْ اليَمِينِ إذَا تَعَذَّرَ عَليْهِ العِتْقُ وَالكِسْوَةُ تَعَيَّنَ عَليْهِ الإِطْعَامُ، وَإِنْ وَجَدَهُمَا اخْتَارَ المُصَدِّقُ أَنْفَعَهُمَا للمَسَاكِينِ. وَقَال أَبُو العَبَّاسِ: يَخْتَارُ صَاحِبُ المَال مَا شَاءَ مِنْهُمَا وَقَدْ مَضَى دَليل المَذْهَبَيْنِ فِي الصُّعُودِ وَالنُّزُول. فَإِنْ اخْتَارَ المُصَدِّقُ الأَدْنَى نَظَرْت فَإِنْ كَانَ ذَلكَ بِتَفْرِيطٍ مِنْ رَبِّ المَال بِأَنْ لمْ يُظْهِرْ أَحَدَ الفَرْضَيْنِ أَوْ مِنْ السَّاعِي بِأَنْ لمْ يَجْتَهِدْ وَجَبَ رَدُّ المَأْخُوذِ أَوْ بَدَلهِ إنْ كَانَ تَالفًا، فَإِنْ لمْ يُفَرِّطْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَخْرَجَ رَبُّ المَال الفَضْل، وَهُوَ مَا بَيْنَ قِيمَةِ الصِّنْفَيْنِ، وَهَل يَجِبُ ذَلكَ أَمْ لا؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أحدهما: يُسْتَحَبُّ؛ ؛ لأَنَّ المُخْرِجَ يُجْزِئُ عَنْ الفَرْضِ، فَكَانَ الفَضْل مُسْتَحَبًّا