ج / 5 ص -277- قَال أَبُو إِسْحَاقَ: إلا أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ سِتٍّ وَثَلاثِينَ ابْنُ لبُونٍ، أَكْثَرُ قِيمَةً مِنْ ابْنِ لبُونٍ وَيُؤْخَذُ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ حَتَّى لا يُؤَدِّيَ إلى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ القَليل وَالكَثِيرِ فِي الفَرْضِ، وَإِنْ كَانَتْ المَاشِيَةُ صِنْفًا وَاحِدًا أُخِذَ الفَرْضُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَتْ أَنْوَاعًا كَالضَّأْنِ وَالمَاعِزِ وَالجَوَامِيسِ وَالبَقَرِ وَالبَخَاتِيِّ وَالعَرَبُ، فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحدهما: أَنَّهُ يُؤْخَذُ الفَرْضُ مِنْ الغَالبِ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانُوا سَوَاءً أَخَذَ السَّاعِي أَنْفَعَ النَّوْعَيْنِ للمَسَاكِينِ،؛ لأَنَّا لوْ أَلزَمْنَاهُ الفَرْض مِنْ كُلّ نَوْعٍ شَقَّ، فَاعْتُبِرَ الغَالبُ وَالقَوْل الثَّانِي: أَنَّهُ يُؤْخَذ مِنْ كُلّ نَوْعٍ بِقِسْطِهِ؛ لأَنَّهَا أَنْوَاعٌ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَأُخِذَ مِنْ كُل نَوْعٍ بِقِسْطِهِ كَالثِّمَارِ، فَعَلى هَذَا إذَا كَانَ عِشْرُونَ مِنْ الضَّأْن وَعِشْرُونَ مِنْ المَعْزِ قُوِّمَ النِّصَابُ مِنْ الضَّأْنِ، فَيُقَال: قِيمَتُهُ مِثْلًا مِائَةٌ يُقَوَّمُ فَرْضَهُ فَيُقَال: قِيمَتُهُ عَشْرَةٌ، وَيُقَوَّمُ نِصَابُ المَعْزِ، فَيُقَال: قِيمَتُهُ خَمْسُونَ، ثُمَّ يُقَوَّمُ فَرْضُهُ، فَيُقَال: قِيمَتُهُ خَمْسَةٌ فَيُقَال لهُ: اشْتَرِ شَاةً مِنْ أَيِّ النَّوْعَيْنِ شِئْتَ بِسَبْعَةٍ وَنِصْفٍ وَأَخْرِجْ"."
الشرح: هَذَا الحَدِيثُ صَحِيحٌ رَوَاهُ البُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ، وَهُوَ حَدِيثٌ طَوِيلٌ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَّل بَابِ زَكَاةِ الإِبِل، وَسَبَقَ هُنَاكَ أَنَّ العَوَارَ - بِفَتْحِ العَيْنِ وَضَمِّهَا - وَهُوَ العَيْبُ، وَهَذَا الفَصْل وَمَسَائِلهُ ليْسَ للغَنَمِ خَاصَّةً بَل للمَاشِيَةِ كُلهَا، وَكَانَ يَنْبَغِي للمُصَنِّفِ أَنْ يُفْرِدَهُ بِبَابٍ وَلا يُدْخِلهُ فِي بَابِ زَكَاةِ الغَنَمِ وَمَعَ هَذَا فَذِكْرُهُ هُنَا لهُ وَجْهٌ. وَحَاصِل الفَصْل بَيَانُ صِفَةِ المَخْرَجِ فِي زَكَاةِ المَاشِيَةِ. قَال أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمْ اللهُ تَعَالى: إنْ كَانَتْ المَاشِيَةُ كَامِلةً أَخْرَجَ الوَاجِبَ مِنْهَا وَإِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً فَأَسْبَابُ النَّقْصِ خَمْسَةٌ أحدها: المَرَضُ، فَإِنْ كَانَتْ المَاشِيَةُ كُلهَا مِرَاضًا أُخِذَتْ مِنْهَا مَرِيضَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ لئَلا يَتَضَرَّرَ المَالكُ وَلا المَسَاكِينُ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا صَحِيحًا وَبَعْضُهَا مِرَاضًا، فَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ قَدْرَ الوَاجِبِ فَأَكْثَرُ لمْ تَجُزْ المَرِيضَةُ وَإِنْ كَانَ الوَاجِبُ حَيَوَانًا وَاحِدًا وَإِنْ كَانَ اثْنَيْنِ، وَنِصْفُ مَاشِيَتِهِ صِحَاحٌ وَنِصْفُهَا مِرَاضٌ كَبِنْتَيْ لبُونٍ فِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَكَشَاتَيْنِ فِي مِائَتَيْنِ فَطَرِيقَانِ أصحهما: وَبِهِ قَطَعَ العِرَاقِيُّونَ وَجُمْهُورُ الخُرَاسَانِيِّينَ يَجِبُ صَحِيحَتَانِ بِالقِسْطِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى، لعُمُومِ قوله تعالى {وَلا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} .
والطريق الثاني: حَكَاهُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ فِيهِ وَجْهَانِ:"أَحَدُهُمَا"هَذَا وَأَصَحُّهُمَا"عِنْدَهُ يُجْزِئُهُ صَحِيحَةٌ وَمَرِيضَةٌ، وَالمَذْهَبُ الأَوَّل فَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ مِنْ مَاشِيَتِهِ دُونَ قَدْرِ الوَاجِبِ كَشَاتَيْنِ فِي مِائَتَيْنِ ليْسَ فِيهَا إلا صَحِيحَةٌ وَاحِدَةٌ، فَطَرِيقَانِ"الصَّحِيحُ"وَبِهِ قَطَعَ العِرَاقِيُّونَ وَالصَّيْدَلانِيّ وَجُمْهُورُ الخُرَاسَانِيِّينَ: يُجْزِئُهُ مَرِيضَةٌ وَصَحِيحَةٌ بِالقِسْطِ والطريق الثاني: فِيهِ وَجْهَانِ: حَكَاهُمَا جَمَاعَةٌ مِنْ الخُرَاسَانِيِّينَ"أَصَحُّهُمَا"هَذَا والثاني: وَبِهِ قَال أَبُو مُحَمَّدٍ الجُوَيْنِيُّ: يَجِبُ صَحِيحَتَانِ بِالقِسْطِ، وَلا تُجْزِئُهُ صَحِيحَةٌ وَمَرِيضَةٌ؛ لأَنَّ المُخْرَجَتَيْنِ يُزَكِّيَانِ أَنْفُسَهُمَا وَالمَال، فَكُل وَاحِدَةٍ تُزَكِّي الأُخْرَى فَيَلزَمُ مِنْهُ أَنْ تُزَكِّيَ مَرِيضَةٌ صَحِيحَةً. قَال أَصْحَابُنَا: وَإِذَا انْقَسَمَ المَال إلى صِحَاحٍ وَمِرَاضٍ وَأَوْجَبْنَا صَحِيحَةً لمْ يُكَلفْ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ نَفْسِ مَالهِ وَلا يُكَلفُ صَحِيحَةً كَامِلةً مُسَاوِيَةً لصَحِيحَةِ مَالهِ فِي القِيمَةِ بَل يَجِبُ صَحِيحَةٌ لا تُعَدُّ لائِقَةً بِمَالهِ."
مثاله: أَرْبَعُونَ شَاةً نِصْفُهَا صِحَاحٌ وَنِصْفُهَا مِرَاضٌ قِيمَةُ كُل صَحِيحَةٍ مِنْهَا دِينَارَانِ وَقِيمَةُ كُل مَرِيضَةٍ دِينَارٌ، فَعَليْهِ صَحِيحَةٌ بِقِيمَةِ نِصْفِ صَحِيحَةٍ وَنِصْفِ مَرِيضَةٍ، وَذَلكَ دِينَارٌ وَنِصْفُ. وَلوْ كَانَتْ