فهرس الكتاب
ج / 5 ص -316- وَأَمَّا النَّوَاضِحُ فَجَمْعُ نَاضِحٍ أَوْ هُوَ مَا يُسْقَى عَليْهِ نَضْحًا مِنْ بَعِيرٍ وَبَقَرَةٍ وَغَيْرِهِمَا قَال أَهْل اللغَةِ: النَّضْحُ السَّقْيُ مِنْ مَاءِ بِئْرٍ أَوْ نَهْرٍ بِسَاقِيَّةٍ. وَالنَّاضِحُ اسْمٌ للبَعِيرِ وَالبَقَرَةِ الذِي يُسْقَى عَليْهِ مِنْ البِئْرِ أَوْ النَّهْرِ وَالأُنْثَى نَاضِحَةٌ، وَالدَّوَاليبُ جَمْعُ دُولاب بِفَتْحِ الدَّال قَال الجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ: هُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ.
وَأَمَّا الأَحْكَامُ: فَقَال الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه وَالأَصْحَابُ: يَجِبُ فِيمَا سُقِيَ بِمَاءِ السَّمَاءِ مِنْ الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ العُشْرُ، وَكَذَا البَعْل وَهُوَ مَا يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ، وَكَذَا مَا يَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ يَنْصَبُّ إليْهِ مِنْ جَبَلٍ أَوْ نَهْرٍ أَوْ عَيْنٍ كَبِيرَةٍ، فَفِي هَذَا كُلهِ العُشْرُ. وَأَمَّا مَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ أَوْ الدِّلاءِ أَوْ الدَّوَاليبِ، وَهِيَ التِي تُدِيرُهَا البَقَرُ أَوْ بِالنَّاعُورَةِ، وَهِيَ التِي يُدِيرُهَا المَاءُ بِنَفْسِهِ، فَفِي جَمِيعِهِ نِصْفُ العُشْرِ. وَهَذَا كُلهُ لا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ المُسْلمِينَ، وَقَدْ سَبَقَ نَقْل البَيْهَقِيّ الإِجْمَاعَ فِيهِ. وَأَمَّا القَنَوَاتُ وَالسَّوَاقِي المَحْفُورَةُ مِنْ نَهْرٍ عَظِيمٍ التِي تَكْثُرُ مُؤْنَتُهَا، فَفِيهَا العُشْرُ كَامِلًا. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ المَشْهُورُ المَقْطُوعُ بِهِ فِي كُتُبِ العِرَاقِيِّينَ وَالخُرَاسَانِيِّينَ. وَنَقَل إمَامُ الحَرَمَيْنِ اتِّفَاقَ الأَئِمَّةِ عَليْهِ، وَعَللهُ الأَصْحَابُ بِأَنَّ مُؤْنَةَ القَنَوَاتِ إنَّمَا تُشَقُّ لإِصْلاحِ الضَّيْعَةِ، وَكَذَا الأَنْهَارُ إنَّمَا تُشَقُّ لإِحْيَاءِ الأَرْضِ، وَإِذَا تَهَيَّأَتْ وَصَل المَاءُ إلى الزَّرْعِ بِنَفْسِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى بِخِلافِ النَّوَاضِحِ وَنَحْوِهَا، فَإِنَّ المُؤْنَةَ فِيهَا لنَفْسِ الزَّرْعِ.
وَنَقَل الرَّافِعِيُّ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي عَاصِمٍ أَنَّهُ نَقَل أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا سَهْلٍ الصُّعْلوكِيَّ مِنْ أَصْحَابِنَا أَفْتَى أَنَّ مَا سُقِيَ بِمَاءِ القَنَاةِ وَجَبَ فِيهِ نِصْفُ العُشْرِ. وَقَال صَاحِبُ التَّهْذِيبِ: إنْ كَانَتْ القَنَاةُ أَوْ العَيْنُ كَثِيرَةَ المُؤْنَةِ لا تَزَال تَنْهَارُ، وَتَحْتَاجُ إلى إحْدَاثِ حَفْرٍ وَجَبَ نِصْفُ العُشْرِ، وَإِنْ لمْ يَكُنْ لهَا مُؤْنَةٌ أَكْثَرُ مِنْ مُؤْنَةِ الحَفْرِ الأَوَّل وَكَسْحِهَا فِي بَعْضِ الأَوْقَاتِ وَجَبَ العُشْرُ. قَال الرَّافِعِيُّ: وَالمَذْهَبُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الجُمْهُورِ. قَال الرَّافِعِيُّ: قَال ابْنُ كَجٍّ: وَلوْ اشْتَرَى مَاءً وَسَقَى بِهِ وَجَبَ نِصْفُ العُشْرِ، قَال: وَكَذَا لوْ سَقَاهُ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ؛ لأَنَّ عَليْهِ ضَمَانَهُ. قَال الرَّافِعِيُّ: وَهَذَا حَسَنٌ جَارٍ عَلى كُل مَأْخَذٍ، فَإِنَّهُ لا يَتَعَلقُ بِصَلاحِ الضَّيْعَةِ بِخِلافِ القَنَاةِ، ثُمَّ حَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ ابْنِ كَجٍّ عَنْ ابْنِ القَطَّانِ وَجْهَيْنِ فِيمَا لوْ وُهِبَ لهُ المَاءُ، وَرَجَّحَ إلحَاقَهُ بِالمَغْصُوبِ لوُجُودِ المِنَّةِ العَظِيمَةِ، وَكَمَا لوْ عَلفَ مَاشِيَتَهُ بِعَلفٍ مَوْهُوبٍ قُلتُ: وَهَذَانِ الوَجْهَانِ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلنَا لا تَقْتَضِي الهِبَةُ ثَوَابًا فإن قالنا تَقْتَضِيه، فَنِصْفُ العُشْرِ بِلا خِلافٍ، صَرَّحَ بِذَلكَ كُلهِ الدَّارِمِيُّ فِي الاسْتِذْكَارِ، وَاَللهُ تَعَالى أَعْلمُ.
فَصْلٌ: إذَا اجْتَمَعَ فِي الشَّجَرِ الوَاحِدِ أَوْ الزَّرْعِ الوَاحِدِ السَّقْيُ بِمَاءِ السَّمَاءِ وَالنَّوَاضِحِ، فَلهُ حَالانِ أحدهما: أَنْ يَزْرَعَ عَازِمًا عَلى السَّقْيِ بِهِمَا، فَيَنْظُرُ إنْ كَانَ نِصْفُ السَّقْيِ بِهَذَا وَنِصْفُهُ بِذَلكَ، فَطَرِيقَانِ أصحهما: وَبِهِ قَطَعَ المُصَنِّفُ وَالجُمْهُورُ مِنْ الطَّرِيقِينَ: يَجِبُ ثَلاثَةُ أَرْبَاعِ العُشْرِ. والثاني: حَكَاهُ إمَامُ الحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يَجِبُ العُشْرُ بِكَمَالهِ عَلى قَوْلنَا فِيمَا إذَا تَفَاضَلا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الأَغْلبُ، وَعَللوهُ بِأَنَّهُ أَرْفَقُ للمَسَاكِينِ، وَالمَذْهَبُ الأَوَّل وَدَليلهُ فِي الكِتَابِ، فَإِنْ سُقِيَ بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرُ فَقَوْلانِ مَشْهُورَانِ. ذَكَرَ المُصَنِّفُ دَليلهُمَا، أصحهما: عِنْدَ الأَصْحَابِ وَرَجَّحَهُ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه أَيْضًا فِي المُخْتَصَرِ: يُقَسَّطُ الوَاجِبُ عَليْهِمَا، والثاني: يُعْتَبَرُ الأَغْلبُ. فَإِنْ قُلنَا بِالتَّقْسِيطِ وَكَانَ ثُلثَا السَّقْيِ بِمَاءِ السَّمَاءِ وَالثُّلثُ بِالنَّضْحِ وَجَبَ خَمْسَةُ أَسْدَاسِ العُشْرِ، وَإِنْ اسْتَوَيَا فَثَلاثَةُ أَرْبَاعِ العُشْرِ، وَإِنْ قُلنَا بِالأَغْلبِ، فَزَادَ السَّقْيُ