فهرس الكتاب
ج / 5 ص -319- أَوْ هِبَةٍ أَوْ إقَالةٍ أَوْ رَدٍّ بِعَيْبٍ أَوْ غَيْرِ ذَلكَ فَلا زَكَاةَ؛ لأَنَّهُ لمْ يَكُنْ مَالكًا لهُ حَال الوُجُوبِ، وَلوْ اشْتَرَى بِشَرْطِ الخِيَارِ، فَبَدَا الصَّلاحُ فِي مُدَّةِ الخِيَارِ فَإِنْ قُلنَا: المِلكُ للبَائِعِ، فَعَليْهِ الزَّكَاةُ وَإِنْ تَمَّ البَيْعُ، وَإِنْ قُلنَا: للمُشْتَرِي فَعَليْهِ الزَّكَاةُ وَإِنْ فُسِخَ. وَإِنْ قُلنَا: مَوْقُوفٌ فَالزَّكَاةُ مَوْقُوفَةٌ، فَمَنْ ثَبَتَ لهُ المِلكُ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ عَليْهِ، وَلوْ بَاعَ نَخِيلًا قَبْل بُدُوِّ الصَّلاحِ، فَبَدَا فِي مِلكِ المُشْتَرِي، ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا، فَليْسَ لهُ الرَّدُّ إلا بِرِضَا البَائِعِ لتَعَلقِ الزَّكَاةِ بِهَا، وَهُوَ كَعَيْبٍ حَدَثَ فِي يَدِهِ، فَإِنْ أَخْرَجَ المُشْتَرِي الزَّكَاةَ مِنْ نَفْسِ الثَّمَرَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا، فَحُكْمُهُ مَا سَنَذْكُرُهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى.
هَذَا كُلهُ إذَا بَاعَ النَّخْل وَالثَّمَرَ جَمِيعًا، فَلوْ بَاعَ الثَّمَرَةَ وَحْدَهَا قَبْل بُدُوِّ الصَّلاحِ فَشَرْطُهُ أَنْ يُبَاعَ بِشَرْطِ القَطْعِ، فَلوْ لمْ يُقْطَعْ حَتَّى بَدَا، فَقَدْ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ، ثُمَّ إنْ رَضِيَا بِإِبْقَائِهَا إلى الجِذَاذِ جَازَ، وَالعُشْرُ عَلى المُشْتَرِي قَال الرَّافِعِيُّ: وَحَكَى قَوْل أَنَّ البَيْعَ يَنْفَسِخُ كَمَا لوْ اتَّفَقْنَا عِنْدَ البَيْعِ عَلى الإِبْقَاءِ. وَهَذَا غَرِيبٌ ضَعِيفٌ، وَإِنْ لمْ يَرْضَيَا بِالإِبْقَاءِ لمْ تُقْطَعْ الثَّمَرَةُ؛ لأَنَّ فِيهِ إضْرَارًا بِالفُقَرَاءِ، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ: أحدهما: يَنْفَسِخُ البَيْعُ لتَعَذُّرِ إمْضَائِهِ وأصحهما: لا يَنْفَسِخُ، لكِنْ إنْ لمْ يَرْضَ البَائِعُ بِالإِبْقَاءِ يُفْسَخُ، وَإِنْ رَضِيَ بِهِ وَامْتَنَعَ المُشْتَرِي وَطَلبَ القَطْعَ فَوَجْهَانِ: أحدهما: يُفْسَخُ وأصحهما: لا يُفْسَخُ، وَلوْ رَضِيَ البَائِعُ، ثُمَّ رَجَعَ كَانَ لهُ ذَاكَ؛ لأَنَّ رِضَاهُ إعَارَةٌ، وَحَيْثُ قُلنَا: يُفْسَخُ البَيْعُ فَفُسِخَ، فَعَلى مَنْ تَجِبُ الزَّكَاةُ؟ فِيهِ قَوْلانِ: أحدهما: عَلى البَائِعِ؛ لأَنَّ المِلكَ اسْتَقَرَّ لهُ وأصحهما: عَلى المُشْتَرِي كَمَا لوْ فُسِخَ بِعَيْبٍ، فَعَلى هَذَا لوْ أَخَذَ السَّاعِي مِنْ نَفْسِ الثَّمَرَةِ رَجَعَ البَائِعُ عَلى المُشْتَرِي.
فرع: إذَا قُلنَا بِالمَذْهَبِ: إنَّ وَقْتَ الوُجُوبِ هُوَ بُدُوُّ الصَّلاحِ وَاشْتِدَادُ الحَبِّ قَال الشَّافِعِيُّ وَالأَصْحَابُ: لا يَجِبُ الإِخْرَاجُ فِي ذَلكَ الوَقْتِ بِلا خِلافٍ، لكِنْ يَنْعَقِدُ سَبَبًا لوُجُوبِ الإِخْرَاجِ إذَا صَارَ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا أَوْ حَبًّا مُصَفًّى، وَيَصِيرُ للفُقَرَاءِ فِي الحَال حَقٌّ يَجِبُ دَفْعُهُ إليْهِمْ بَعْدَ مَصِيرِهِ تَمْرًا أَوْ حَبًّا، فَلوْ أَخْرَجَ الرُّطَبَ وَالعِنَبَ فِي الحَال لمْ يُجْزِئْهُ بِلا خِلافٍ، وَلوْ أَخَذَهُ السَّاعِي غَرِمَهُ بِلا خِلافٍ؛ لأَنَّهُ قَبَضَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَكَيْفَ يَغْرَمُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ وَذَكَرَهُمَا المُصَنِّفُ فِي آخِرِ البَابِ الصحيح: الذِي قَطَعَ بِهِ الجُمْهُورُ، وَنَصَّ عَليْهِ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه أَنَّهُ يَلزَمُهُ قِيمَتُهُ والثاني: يَلزَمُهُ مِثْلهُ وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلى أَنَّ الرُّطَبَ وَالعِنَبَ مِثْليَّانِ أَمْ لا؟ وَالصَّحِيحُ المَشْهُورُ أَنَّهُمَا ليْسَا مِثْليَّيْنِ. وَلوْ جَفَّ عِنْدَ السَّاعِي فَإِنْ كَانَ قَدْرَ الزَّكَاةِ أَجْزَأَ، وَإِلا رَدَّ التَّفَاوُتَ أَوْ أَخَذَهُ. كَذَا قَالهُ العِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ. وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ وَجْهًا أَنَّهُ لا يُجْزِئُ بِحَالٍ لفَسَادِ القَبْضِ. قَال الرَّافِعِيُّ: وَهَذَا الوَجْهُ أَوْلى وَالمُخْتَارُ مَا سَبَقَ. وَهَذَا كُلهُ فِي الرُّطَبِ وَالعِنَبِ اللذَيْنِ يَجِيءُ مِنْهُمَا تَمْرٌ وَزَبِيبٌ، فَأَمَّا مَا لا يَجِيءُ مِنْهُ، فَسَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى.
قَال أَصْحَابُنَا: وَمُؤْنَةُ تَجْفِيفِ التَّمْرِ وَجِذَاذِهِ وَحَصَادِ الحَبِّ وَحَمْلهِ وَدِيَاسِهِ وَتَصْفِيَتِهِ وَحِفْظِهِ وَغَيْرِ ذَلكَ مِنْ مُؤْنَةٍ تَكُونُ كُلهَا مِنْ خَالصِ مَال المَالكِ لا يُحْسَبُ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْ مَال الزَّكَاةِ بِلا خِلافٍ، وَلا تَخْرُجُ مِنْ نَفْسِ مَال الزَّكَاةِ، فَإِنْ أُخْرِجَتْ مِنْهُ لزِمَ المَالكَ زَكَاةُ مَا أَخْرَجَهُ مِنْ خَالصِ مَالهِ وَلا خِلافَ فِي هَذَا عِنْدَنَا. وَحَكَى صَاحِبُ الحَاوِي عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُ قَال: تَكُونُ المُؤْنَةُ مِنْ وَسَطِ المَال لا يَخْتَصُّ بِتَحَمُّلهَا المَالكُ دُونَ الفُقَرَاءِ؛ لأَنَّ المَال للجَمِيعِ فَوُزِّعَتْ المُؤْنَةُ عَليْهِمْ. قَال