فهرس الكتاب
ج / 5 ص -320- صَاحِبُ الحَاوِي: وَهَذَا غَلطٌ؛ لأَنَّ تَأْخِيرَ الأَدَاءِ عَنْ وَقْتِ الحَصَادِ إنَّمَا كَانَ لتَكَامُل المَنَافِعِ وَذَلكَ وَاجِبٌ عَلى المَالكِ وَاَللهُ تَعَالى أَعْلمُ.
قَال: وَلا يَجُوزُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ الحُبُوبِ المُزَكَّاةِ إلا بَعْدَ خُرُوجِهَا مِنْ قُشُورِهَا إلا العَلسَ1 فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ رضي الله عنه قَال: مَالكُهُ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَخْرَجَهُ فِي قِشْرِهِ فَيُخْرِجُ مِنْ كُل عَشَرَةِ أَوْسُقٍ وَسْقًا؛ لأَنَّ بَقَاءَهُ فِي قِشْرِهِ أَصْوَنُ، وَإِنْ شَاءَ صَفَّاهُ مِنْ القُشُورِ، قَال: وَلا يَجُوزُ إخْرَاجُ الحِنْطَةِ فِي سُنْبُلهَا، وَإِنْ كَانَ ذَلكَ أَصْوَنَ لهَا؛ لأَنَّهُ يُتَعَذَّرُ كَيْلهَا، وَاَللهُ تَعَالى أَعْلمُ.
قَال المُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ الثَّمَرَةَ قَبْل بُدُوِّ الصَّلاحِ نُظِرَتْ فَإِنْ كَانَ لحَاجَةٍ لمْ يُكْرَهْ، وَإِنْ كَانَ يَبِيعُ لفِرَارٍ مِنْ الزَّكَاةِ كُرِهَ؛ لأَنَّهُ فِرَارٌ مِنْ القُرْبَةِ وَمُوَاسَاةِ المَسَاكِينِ، وَإِنْ بَاعَ صَحَّ البَيْعُ؛ لأَنَّهُ بَاعَ وَلا حَقَّ لأَحَدٍ فِيهِ".
الشرح: قَال الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه فِي المُخْتَصَرِ وَالأَصْحَابُ: إذَا بَاعَ مَال الزَّكَاةِ قَبْل وَقْتِ وُجُوبِهَا كَالتَّمْرِ قَبْل بُدُوِّ صَلاحِهِ، وَالحَبِّ قَبْل اشْتِدَادِهِ، وَالمَاشِيَةِ وَالنَّقْدِ وَغَيْرِهِ قَبْل الحَوْل، أَوْ نَوَى بِمَال التِّجَارَةِ القُنْيَةَ أَوْ اشْتَرَى بِهِ شَيْئًا للقِنْيَةِ قَبْل الحَوْل فَإِنْ كَانَ ذَلكَ لحَاجَةٍ إلى ثَمَنِهِ لمْ يُكْرَهْ بِلا خِلافٍ؛ لأَنَّهُ مَعْذُورٌ لا يُنْسَبُ إليْهِ تَقْصِيرٌ، وَلا يُوصَفُ بِفِرَارٍ وَإِنْ لمْ يَكُنْ بِهِ حَاجَةٌ وَإِنَّمَا بَاعَهُ لمُجَرَّدِ الفِرَارِ، فَالبَيْعُ صَحِيحٌ بِلا خِلافٍ لمَا ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ، وَلكِنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ هَذَا هُوَ المَنْصُوصُ، وَبِهِ قَطَعَ الجُمْهُورُ، وَشَذَّ الدَّارِمِيُّ وَصَاحِبُ الإِبَانَةِ فَقَالا: هُوَ حَرَامٌ، وَتَابَعَهُمَا الغَزَاليُّ فِي الوَسِيطِ، وَهَذَا غَلطٌ عِنْدَ الأَصْحَابِ، وَقَدْ صَرَّحَ القَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي المُجَرَّدِ وَالأَصْحَابُ بِأَنَّهُ لا إثْمَ عَلى البَائِعِ فِرَارًا. قَال الشَّافِعِيُّ وَالأَصْحَابُ: وَإِذَا بَاعَ فِرَارًا قَبْل انْقِضَاءِ الحَوْل، فَلا زَكَاةَ عِنْدَنَا، وَبِهِ قَال أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَدَاوُد وَغَيْرُهُمْ. وَقَال مَالكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: إذَا تَلفَ بَعْضُ النِّصَابِ قَبْل الحَوْل أَوْ بَاعَهُ فِرَارًا لزِمَتْهُ الزَّكَاةُ. دَليلنَا أَنَّهُ فَاتَ شَرْطُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَهُوَ الحَوْل، فَلا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَلى وَجْهٍ يُعْذَرُ فِيهِ أَوْ لا يُعْذَرُ وَاَللهُ تَعَالى أَعْلمُ.
فإن قيل: فَمَا الفَرْقُ بَيْنَ الفِرَارِ هُنَا وَالفِرَارِ بِطَلاقِ المَرْأَةِ بَائِنًا فِي مَرَضِ المَوْتِ؟ فَإِنَّهَا تَرِثُهُ عَلى قَوْلٍ، فَالفَرْقُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أحدهما: أَنَّ الحَقَّ فِي الإِرْثِ لمُعَيَّنٍ، فَاحْتِيطَ لهُ بِخِلافِ الزَّكَاةِ، والثاني: أَنَّ الزَّكَاةَ مَبْنِيَّةٌ عَلى الرِّفْقِ وَالمُسَاهَلةِ. وَتَسْقُطُ بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ للرِّفْقِ، كَالعَلفِ فِي بَعْضِ الحَوْل. وَالعَمَل عَليْهَا وَغَيْرِ ذَلكَ بِخِلافِ الإِرْثِ، وَاَللهُ تَعَالى أَعْلمُ.
قَال المُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَإِنْ بَاعَ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلاحِ فَفِي البَيْعِ فِي قَدْرِ الفَرْضِ قَوْلانِ: أحدهما: أَنَّهُ بَاطِلٌ؛ لأَنَّ فِي أَحَدِ القَوْليْنِ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي العَيْنِ، وَقَدْرُ الفَرْضِ للمَسَاكِينِ، فَلا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ، وَفِي الآخَرِ تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ وَالعَيْنُ مَرْهُونَةٌ بِهِ، وَبَيْعُ المَرْهُونِ لا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ إذْنِ المُرْتَهِنِ، والثاني: أَنَّهُ يَصِحُّ؛ لأَنَّا إنْ قُلنَا: [إنَّ] الزَّكَاةَ تَتَعَلقُ بِالعَيْنِ إلا أَنَّ أَحْكَامَ"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 العلس بفتحتين من ضرب الحنطة تكون حبتان في قشرة وهو طعام أهل صنعاء (ط) .