فهرس الكتاب
ج / 5 ص -321- المِلكِ كُلهَا ثَابِتَةٌ، وَالبَيْعُ مِنْ أَحْكَامِ المِلكِ، وَإِنْ قُلنَا: إنَّهَا تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ وَالعَيْنُ مُرْتَهَنَةٌ بِهِ إلا أَنَّهُ رَهْنٌ يَثْبُتُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، فَلمْ يَمْنَعْ البَيْعَ كَالجِنَايَةِ فِي رَقَبَةِ العَبْدِ، فَإِنْ قُلنَا: يَصِحُّ فِي قَدْرِ الفَرْضِ فَفِيمَا سِوَاهُ أَوْلى، وَإِنْ قُلنَا: لا يَصِحُّ فِي قَدْرِ الفَرْضِ فَفِيمَا سِوَاهُ قَوْلانِ بِنَاءً عَلى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ"."
الشرح: إذَا بَاعَ مَال الزَّكَاةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا فِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ تَمْرًا أَوْ حَبًّا أَوْ مَاشِيَةً أَوْ نَقْدًا أَوْ غَيْرَهُ قَبْل إخْرَاجِهَا - فَإِنْ بَاعَ جَمِيعَ المَال - فَهَل يَصِحُّ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ؟ يُبْنَى عَلى الخِلافِ السَّابِقِ فِي بَابِ زَكَاةِ المَوَاشِي أَنَّ الزَّكَاةَ هَل تَتَعَلقُ بِالعَيْنِ؟ أَوْ بِالذِّمَّةِ؟ وَقَدْ سَبَقَ خِلافٌ مُخْتَصَرُهُ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ تَتَعَلقُ بِالعَيْنِ تَعَلقَ الشَّرِكَةِ، والثاني: تَتَعَلقُ بِالعَيْنِ تَعَلقَ أَرْشِ الجِنَايَةِ، والثالث: تَعَلقَ المَرْهُونِ والرابع: لا تَتَعَلقُ بِالعَيْنِ بَل بِالذِّمَّةِ فَقَطْ، وَتَكُونُ العَيْنُ خَلوًا مِنْ التَّعَلقِ، فَإِنْ قُلنَا: الزَّكَاةُ تَتَعَلقُ بِالذِّمَّةِ وَتَكُونُ العَيْنُ خَلوًا مِنْهَا صَحَّ البَيْعُ قَطْعًا، وَإِنْ قُلنَا تَتَعَلقُ بِهَا تَعَلقَ المَرْهُونِ فَقَوْلانِ، أَشَارَ المُصَنِّفُ إلى دَليلهَا أصحهما: عِنْدَ العِرَاقِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ الصِّحَّةُ أَيْضًا؛ لأَنَّ هَذِهِ العَلاقَةَ ثَبَتَتْ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ المَالكِ وَليْسَتْ لمُعَيَّنٍ فَسُومِحَ بِهَا بِمَا لا يُسَامَحُ بِهِ فِي المَرْهُونِ.
وَإِنْ قُلنَا: تَعَلقَ الشَّرِكَةِ فَطَرِيقَانِ: أحدهما: القَطْعُ بِالبُطْلانِ؛ لأَنَّهُ بَاعَ مَا لا يَمْلكُهُ، وأصحهما: وَأَشْهَرُهُمَا، وَبِهِ قَطَعَ أَكْثَرُ العِرَاقِيِّينَ فِي صِحَّتِهِ قَوْلانِ أصحهما: بِاتِّفَاقِ الأَصْحَابِ البُطْلانُ، وَبِهِ قَطَعَ كَثِيرُونَ، والثاني: الصِّحَّةُ؛ لأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ الزَّكَاةَ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ قُلنَا: تَعَلقَ الأَرْشِ فَفِي صِحَّتِهِ خِلافٌ مَبْنِيٌّ عَلى صِحَّةِ بَيْعِ الجَانِي، فَإِنْ صَحَّحْنَاهُ صَحَّ هَذَا وَإِلا فَلا، فَإِنْ صَحَّحْنَا صَارَ بِالبَيْعِ مُلتَزِمًا الفِدَاءَ، فَحُصِل مِنْ جُمْلةِ هَذِهِ الاخْتِلافَاتِ أَنَّ الأَصَحَّ بُطْلانُ البَيْعِ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ. قَال أَصْحَابُنَا: فَحَيْثُ صَحَّحْنَا فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ، فَفِي البَاقِي أَوْلى، وَحَيْثُ أَبْطَلنَا فِيهِ فَفِي البَاقِي قَوْلًا تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ، هَكَذَا أَطْلقَهُ المُصَنِّفُ وَسَائِرُ العِرَاقِيِّينَ، وَقَال الخُرَاسَانِيُّونَ: إذَا قُلنَا بِالبُطْلانِ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ، فَهَل يَبْطُل فِي البَاقِي؟ إنْ قُلنَا: تَعَلقَ الشَّرِكَةِ فَقَوْلًا تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ، وَإِنْ قُلنَا: تَعَلقَ الرَّهْنِ، وَقُلنَا: الاسْتِيثَاقُ فِي الجَمِيعِ بَطَل فِي الجَمِيعِ، وَإِنْ قُلنَا بِالاسْتِيثَاقِ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ فَقَطْ؛ فَفِي الزَّائِدِ قَوْلًا تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ، وَالأَصَحُّ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ الصِّحَّةُ وَحَيْثُ مَنَعْنَا البَيْعَ، وَكَانَ المَال ثَمَرَةً، فَالمُرَادُ قَبْل الخَرْصِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَلا مَنْعَ إنْ قُلنَا: الخَرْصُ تَضْمِينٌ وَهُوَ الأَصَحُّ، وَإِنْ قُلنَا: غَيْرُهُ فِيهِ كَلامٌ يَأْتِي قَرِيبًا فِي فَصْل الخَرْصِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى.
وَالحَاصِل مِنْ هَذَا الخِلافِ كُلهِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أصحها: يَبْطُل البَيْعُ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ وَيَصِحُّ فِي البَاقِي، والثاني: يَبْطُل فِي الجَمِيعِ، والثالث: يَصِحُّ فِي الجَمِيعِ، فَإِنْ صَحَّحْنَا فِي الجَمِيعِ نُظِرَ إنْ أَدَّى البَائِعُ الزَّكَاةَ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ فَذَاكَ، وَإِلا فَللسَّاعِي أَنْ يَأْخُذَ مِنْ غَيْرِ المَال مِنْ يَدِ المُشْتَرِي قَدْرَ الزَّكَاةِ عَلى جَمِيعِ الأَقْوَال بِلا خِلافٍ. فَإِنْ أَخَذَ انْفَسَخَ البَيْعُ فِي المَأْخُوذِ، وَهَل يَنْفَسِخُ فِي البَاقِي؟ فِيهِ الخِلافُ المَشْهُورُ فِي انْفِسَاخِ البَيْعِ بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي الدَّوَامِ، وَالمَذْهَبُ لا يَنْفَسِخُ، فَإِنْ قُلنَا: يَنْفَسِخُ اسْتَرَدَّ الثَّمَنَ، وَإِلا فَلهُ الخِيَارُ إنْ كَانَ حَالًّا، فَإِنْ فُسِخَ فَذَاكَ، وَإِنْ أَجَازَ فِي البَاقِي فَهَل يَأْخُذُ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ؟ أَمْ بِالبَاقِي؟ فِيهِ طَرِيقَانِ مَشْهُورَانِ فِي كِتَابِ البَيْعِ، المَذْهَبُ أَنَّهُ بِقِسْطِهِ.