فهرس الكتاب
ج / 5 ص -324- الشرح: قَال الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه وَالأَصْحَابُ رحمهم الله: إذَا أَصَابَ النَّخْل عَطَشٌ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلاحِ وَخَافَ هَلاكَهَا أَوْ هَلاكَ الثَّمَرَةِ أَوْ هَلاكَ بَعْضِهَا إنْ لمْ تُقْطَعْ الثَّمَرَةُ، أَوْ خَافَ ضَرَرَ النَّخْل أَوْ الثَّمَرَةِ جَازَ قَطْعُ مَا يَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرَرُ إمَّا بَعْضِهَا أَوْ كُلهَا، فَإِنْ لمْ يَنْدَفِعْ إلا بِقَطْعِ الجَمِيعِ قَطَعَ الجَمِيعَ، وَإِنْ انْدَفَعَ بِقَطْعِ البَعْضِ، لمْ تَجُزْ الزِّيَادَةُ؛ لأَنَّ حَقَّ المَسَاكِينِ إنَّمَا هُوَ فِي التَّمْرِ يَابِسًا، وَإِنَّمَا جَوَّزْنَا القَطْعَ للحَاجَةِ، فَلا يَجُوزُ زِيَادَةٌ عَليْهَا،، ثُمَّ إنْ أَرَادَ القَطْعَ، فَيَنْبَغِي للمَالكِ أَنْ يَسْتَأْذِنَ العَامِل، فَإِنْ اسْتَأْذَنَهُ وَجَبَ عَليْهِ أَنْ يَأْذَنَ لهُ، لمَا فِيهِ مِنْ المَصْلحَةِ وَدَفْعِ المَفْسَدَةِ عَنْ المَالكِ وَالمَسَاكِينِ كَمَا ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ فَإِنْ لمْ يَسْتَأْذِنْ العَامِل، بَل اسْتَقَل المَالكُ بِقَطْعِهَا فَوَجْهَانِ: أصحهما: وَبِهِ قَطَعَ المُصَنِّفُ وَسَائِرُ العِرَاقِيِّينَ وَالسَّرَخْسِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الخُرَاسَانِيِّينَ، وَنَقَلهُ القَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي المُجَرَّدِ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الاسْتِئْذَانَ وَاجِبٌ، فَيَأْثَمُ بِتَرْكِهِ، وَإِنْ كَانَ عَالمًا بِتَحْرِيمِ الاسْتِقْلال عُزِّرَ، وَدَليلهُ مَا ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ. والثاني: أَنَّ الاسْتِئْذَانَ مُسْتَحَبٌّ، فَلا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ وَلا يُعَزَّرُ، وَبِهَذَا قَال الصَّيْدَلانِيُّ وَالبَغَوِيُّ وَطَائِفَةٌ، وَسَوَاءٌ قُلنَا: يَجِبُ الاسْتِئْذَانُ أَمْ يُسْتَحَبُّ لا يَغْرَمُ المَالكُ مَا نَقَصَ بِالقَطْعِ لمَا ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ
وَإِذَا أَعْلمَ المَالكُ السَّاعِي قَبْل القَطْعِ وَأَرَادَ القِسْمَةَ بِأَنْ يَخْرُصَ الثِّمَارَ وَيُعَيِّنَ حَقَّ المَسَاكِينِ فِي نَخْلةٍ أَوْ نَخَلاتٍ بِأَعْيَانِهَا فَقَوْلانِ مَنْصُوصَانِ للشَّافِعِيِّ رحمه الله تعالى عنه.
قَال الأَصْحَابُ: هُمَا مَبْنِيَّانِ عَلى أَنَّ القِسْمَةَ بَيْعٌ أَمْ إفْرَازُ حَقٍّ، فَإِنْ قُلنَا إفْرَازٌ، وَهُوَ الأَصَحُّ جَازَ، ثُمَّ للسَّاعِي بَيْعُ نَصِيبِ المَسَاكِينِ للمَالكِ أَوْ غَيْرِهِ وَأَنْ يَقْطَعَهُ وَيُفَرِّقَهُ بَيْنَهُمْ، يَفْعَل مِنْ ذَلكَ مَا فِيهِ مَصْلحَتُهُمْ، وَإِنْ قُلنَا: إنَّهَا بَيْعٌ لمْ يَجُزْ، وَلوْ لمْ يُمَيِّزْ للفُقَرَاءِ شَيْئًا، بَل قُطِعَتْ الثِّمَارُ مُشْتَرَكَةً. قَال الأَصْحَابُ: فَفِي جَوَازِ القِسْمَةِ خِلافٌ مَبْنِيٌّ عَلى أَنَّهَا بَيْعٌ أَوْ إفْرَازٌ، إنْ قُلنَا إفْرَازٌ، وَهُوَ الأَصَحُّ جَازَتْ المُقَاسَمَةُ كَيْلًا وَوَزْنًا، هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ المُصَنِّفُ فِي آخِرِ البَابِ وَالأَصْحَابُ، وَإِنْ قُلنَا بَيْعٌ، فَفِي جَوَازِهَا خِلافٌ مَبْنِيٌّ عَلى جَوَازِ بَيْعِ الرُّطَبِ الذِي لا يَتَمَيَّزُ بِمِثْلهِ. وَفِيهِ قَوْلانِ للشَّافِعِيِّ رضي الله عنه مَذْكُورَانِ فِي بَابِ الرِّبَا أصحهما: لا يَجُوزُ. فَإِنْ جَوَّزْنَاهُ جَازَتْ القِسْمَةُ بِالكَيْل وَإِلا فَوَجْهَانِ:
أحدهما: يَجُوزُ مُقَاسَمَةُ السَّاعِي؛ لأَنَّهَا ليْسَتْ مُعَاوَضَةً فَلا يُكَلفُ فِيهِ تَعَبُّدَاتِ الرِّبَا؛ وَلأَنَّ الحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إليْهَا وَهَذَا الوَجْهُ حَكَاهُ المُصَنِّفُ فِي آخِرِ البَابِ وَالأَصْحَابُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ وَأَبِي عَليِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، لكِنْ قَال المُصَنِّفُ: إنَّهُمَا يُجَوِّزَانِ البَيْعَ كَيْلًا وَوَزْنًا. وَقَال غَيْرُهُ: كَيْلًا فَقَطْ وَهُوَ الأَقْيَسُ وأصحهما: عِنْدَ المُصَنِّفِ وَالأَكْثَرِينَ، وَبِهِ قَطَعَ جَمَاعَةٌ تَفْرِيعًا عَلى هَذَا الرَّأْيِ لا يَجُوزُ، فَعَلى هَذَا لهُ فِي الأَخْذِ مَسْلكَانِ أحدهما: يَأْخُذُ قِيمَةَ عُشْرِ الرُّطَبِ المَقْطُوعِ، والثاني: يُسَلمُ عُشْرَهُ مُشَاعًا إلى السَّاعِي ليَتَعَيَّنَ حَقُّ المَسَاكِينِ، وَطَرِيقُهُ فِي تَسْليمِ عُشْرِهِ أَنْ يُسَلمَهُ كُلهُ، فَإِذَا تَسَلمَهُ السَّاعِي بَرِئَ المَالكُ مِنْ العُشْرِ، وَصَارَ مَقْبُوضًا للمَسَاكِينِ بِقَبْضِ نَائِبِهِمْ، ثُمَّ للسَّاعِي بَعْدَ قَبْضِهِ بَيْعُ نَصِيبِ المَسَاكِينِ للمَالكِ أَوْ لغَيْرِهِ، أَوْ يَبِيعُ هُوَ وَالمَالكُ الجَمِيعَ وَيَقْسِمَانِ الثَّمَنَ. وَهَذَا المَسْلكُ جَائِزٌ بِلا خِلافٍ.
وَأَمَّا المَسْلكُ الأَوَّل فَحَكَى إمَامُ الحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ وَجْهًا فِي جَوَازِهِ للضَّرُورَةِ. كَمَا سَبَقَ فِي آخِرِ البَابِ الذِي قَبْل هَذَا بَيَانُ جَوَازِ أَخْذِ القِيمَةِ فِي مَوَاضِعِ الضَّرُورَةِ وَالصَّحِيحُ الذِي عَليْهِ الأَكْثَرُونَ مَنْعُهُ. وَحَكَى الإِمَامُ وَغَيْرُهُ وَجْهًا آخَرَ أَنَّ السَّاعِي يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَخْذِ القِيمَةِ وَالقِسْمَةِ، قَال: لأَنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا