فهرس الكتاب
ج / 5 ص -325- خِلافُ القَاعِدَةِ وَاحْتُمِل للحَاجَةِ فَيَفْعَل مَا هُوَ أَصْلحُ للمَسَاكِينِ، وَالصَّحِيحُ تَعَيُّنُ المَسْلكِ الثَّانِي. قَال الأَصْحَابُ: ثُمَّ مَا ذَكَرْنَاهُ هُنَا مِنْ الخِلافِ، وَالتَّفْصِيل فِي كَيْفِيَّةِ إخْرَاجِ الوَاجِبِ يَجْرِي بِعَيْنِهِ فِي إخْرَاجِ الوَاجِبِ عَنْ الرُّطَبِ الذِي لا يَتَتَمَّرُ وَالعِنَبِ الذِي لا يَتَزَبَّبُ، وَفِي المَسْأَلتَيْنِ اسْتِدْرَاكٌ حَسَنٌ لإِمَامِ الحَرَمَيْنِ قَال: إنَّمَا يُتَصَوَّرُ الإِشْكَال عَلى قَوْلنَا: المَسَاكِينُ شُرَكَاءُ فِي النِّصَابِ بِقَدْرِ الزَّكَاةِ، وَحِينَئِذٍ يَنْتَظِمُ التَّرْجِيحُ عَلى القَوْليْنِ فِي القِسْمَةِ. فَأَمَّا إذَا لمْ نَجْعَلهُمْ شُرَكَاءَ، فَليْسَ تَسْليمُ حَقِّ السَّاعِي قِسْمَةً حَتَّى يَأْتِيَ فِيهِ القَوْلانِ فِي القِسْمَةِ، بَل هُوَ تَوْفِيَةُ حَقٍّ إلى مُسْتَحِقٍّ. هَذَا كَلامُ الإِمَامِ وَاسْتَحْسَنَهُ الرَّافِعِيُّ. وَاَللهُ تَعَالى أَعْلمُ.
هَذَا كُلهُ إذَا كَانَتْ الثَّمَرَةُ بَاقِيَةً، فَإِنْ قَطَعَهَا المَالكُ وَأَتْلفَهَا أَوْ تَلفَتْ عِنْدَهُ، فَعَليْهِ قِيمَةُ عُشْرِهَا رُطَبًا حِينَ أَتْلفَهَا. قَال صَاحِبُ الحَاوِي وَغَيْرُهُ: فإن قيل لوْ أَتْلفَهَا رُطَبًا مِنْ غَيْرِ عَطَشٍ لزِمَهُ عُشْرُهَا تَمْرًا، فَهَلا لزِمَهُ فِي إتْلافِهَا للعَطَشِ عُشْرُهَا تَمْرًا؟، قُلنَا: الفَرْقُ أَنَّهُ إذَا لمْ يَخَفْ العَطَشَ وَلا ضَرَرًا فِي تَرْكِهَا لزِمَهُ تَرْكُهَا وَدَفْعُ التَّمْرِ بَعْدَ الجَفَافِ، فَإِذَا قَطَعَ فَهُوَ مُفَرِّطٌ مُتَعَدٍّ، فَلزِمَهُ ذَلكَ، فَإِذَا خَافَ العَطَشَ لمْ يَكُنْ عَليْهِ إبْقَاؤُهَا وَلا التَّمْرُ بَل لهُ القَطْعُ، وَدَفْعُ الرُّطَبِ، فَلمْ يَلزَمْهُ غَيْرُهُ؛ اللهُ تَعَالى أَعْلمُ.
وَاعْلمْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رضي الله عنه قَال فِي المُخْتَصَرِ:"وَإِنْ أَصَابَهَا عَطَشٌ كَانَ لهُ قَطْعُ الثَّمَرَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ ثَمَنُ عُشْرِهَا أَوْ عُشْرُهَا مَقْطُوعَةً"هَكَذَا نَقَلهُ المُزَنِيّ فِي المُخْتَصَرِ. وَنَقَل الرَّبِيعُ فِي الأُمِّ"أَنَّهُ يُؤْخَذُ عُشْرُهَا مَقْطُوعَةً"وَاخْتَلفَ الأَصْحَابُ فِي هَذَيْنِ النَّصَّيْنِ، فَذَكَرَ العِرَاقِيُّونَ وَالخُرَاسَانِيُّونَ فِيهِ تَأْوِيليْنِ يَتَخَرَّجَانِ مِمَّا سَبَقَ أحدهما: أَنَّهُ يَبِيعُ الثَّمَرَةَ بَعْدَ قَبْضِهَا مِنْ المَالكِ أَوْ لغَيْرِهِ، وَيَأْخُذُ ثَمَنَ العُشْرِ إنْ كَانَتْ مَصْلحَةُ المَسَاكِينِ فِي بَيْعِهَا وَإِلا فَعُشْرُهَا، وَتَنْزِل رِوَايَةُ المُزَنِيِّ عَلى هَذَا، وَتُحْمَل رِوَايَةُ الرَّبِيعِ عَلى أَنَّهُ رَأَى المَصْلحَةَ فِي عُشْرِ الثَّمَرَةِ لا ثَمَنِ عُشْرِهَا، التَّأْوِيل الثَّانِي: إنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ بَاقِيَةً أَخَذَهَا وَإِنْ تَلفَتْ فَقِيمَتُهَا، وَعَبَّرَ عَنْ القِيمَةِ بِالثَّمَنِ، وَقَدْ اسْتَعْمَل الشَّافِعِيُّ مِثْل هَذَا فِي مَوَاضِعَ، وَسَبَقَ بَسْطُهُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ، فَتَنْزِل رِوَايَةُ المُزَنِيِّ عَلى هَذَا، وَتُحْمَل رِوَايَةُ الرَّبِيعِ عَلى أَنَّ الثَّمَرَةَ كَانَتْ بَاقِيَةً، وَاَللهُ تَعَالى أَعْلمُ.
قَال المُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَالمُسْتَحَبُّ إذَا بَدَا الصَّلاحُ فِي النَّخْل وَالكَرْمِ أَنْ يَبْعَثَ الإِمَامُ مَنْ يَخْرُصُ لحَدِيثِ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَال فِي الكَرْمِ: يُخْرَصُ كَمَا يُخْرَصُ النَّخْل وَيُؤَدَّى زَكَاتُهُ زَبِيبًا كَمَا يُؤَدَّى زَكَاةُ النَّخْل تَمْرًا؛ وَلأَنَّ فِي الخَرْصِ احْتِيَاطًا لرَبِّ المَال وَالمَسَاكِينِ، فَإِنَّ رَبَّ المَال يَمْلكُ التَّصَرُّفَ بِالخَرْصِ وَيَعْرِفُ المُصَدِّقُ حَقَّ المَسَاكِينِ، فَيُطَالبُ بِهِ. وَهَل يَجُوزُ خَارِصٌ وَاحِدٌ أَوْ لا؟ فِيهِ قَوْلانِ: أحدهما: يَجُوزُ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا يَجُوزُ حَاكِمٌ وَاحِدٌ، والثاني: لا يَجُوزُ أَقَل مِنْ خَارِصَيْنِ كَمَا لا يَجُوزُ أَقَل مِنْ مُقَوِّمَيْنِ، فَإِنْ كَانَتْ أَنْوَاعًا مُخْتَلفَةً خَرَصَ عَليْهِ نَخْلةً نَخْلةً، وَإِنْ كَانَتْ نَوْعًا وَاحِدًا، فَهُوَ بِالخِيَارِ، بَيْنَ أَنْ يَخْرُصَ نَخْلةً نَخْلةً، وَبَيْنَ أَنْ يَخْرُصَ الجَمِيعَ دَفْعَةً، فَإِذَا عَرَفَ مَبْلغَ الجَمِيعِ ضَمِنَ رَبُّ المَال حَقَّ الفُقَرَاءِ، فَإِنْ ضَمِنَ حَقَّهُمْ جَازَ لهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِالبَيْعِ، وَالأَكْل وَغَيْرِ ذَلكَ. فَإِنْ ادَّعَى رَبُّ المَال بَعْدَ الخَرْصِ هَلاكَ الثَّمَرَةِ، فَإِنْ كَانَ ذَلكَ لجَائِحَةٍ ظَاهِرَةٍ لمْ يُقْبَل حَتَّى يُقِيمَ البَيِّنَةَ، فَإِذَا أَقَامَ البَيِّنَةَ أَخَذَ بِمَا قَال، وَإِنْ لمْ يُصَدِّقْهُ حَلفَهُ، وَهَل اليَمِينُ مُسْتَحَبَّةٌ أَوْ وَاجِبَةٌ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أحدهما: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، فَإِنْ حَلفَ