فهرس الكتاب
ج / 5 ص -327- وأصحهما: وَأَشْهَرُهُمَا: وَبِهِ قَطَعَ المُصَنِّفُ وَالأَكْثَرُونَ: فِيهِ قَوْلانِ. قَال المَاوَرْدِيُّ: وَبِهَذَا الطَّرِيقِ قَال أَبُو إِسْحَاقَ وَابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِنَا المُتَقَدِّمِينَ أصحهما: بِاتِّفَاقِهِمْ خَارِصٌ، والثاني: يُشْتَرَطُ اثْنَانِ كَمَا يُشْتَرَطُ فِي التَّقْوِيمِ اثْنَانِ. وَحُكِيَ وَجْهٌ إنْ خُرِصَ عَلى صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ سَفِيهٍ أَوْ غَائِبٍ اُشْتُرِطَ اثْنَانِ وَإِلا كَفَى وَاحِدٌ. وَهَذَا الوَجْهُ مَشْهُورٌ فِي طَرِيقَةِ العِرَاقِيِّينَ، حَكَاهُ أَبُو عَليٍّ فِي الإِفْصَاحِ، وَالمَاوَرْدِيُّ وَالقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي المُجَرَّدِ وَالدَّارِمِيُّ وَآخَرُونَ مِنْ العِرَاقِيِّينَ. وَذَكَرَ إمَامُ الحَرَمَيْنِ أَنَّ صَاحِبَ التَّقْرِيبِ حَكَاهُ قَوْلًا للشَّافِعِيِّ، وَتَوَهَّمَ هَذَا القَائِل مِنْ فَرْقِ الشَّافِعِيِّ بَيْنَهُمَا فِي الأُمِّ، وَاتَّفَقَ الأَصْحَابُ عَلى أَنَّ هَذَا الوَجْهَ غَلطٌ، قَال المَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ: وَإِنَّمَا فَرْقُ الشَّافِعِيِّ بَيْنَهُمَا فِي الأُمِّ جَوَازُ تَضْمِينِ الكَبِيرِ ثِمَارَهُ بِالخَرْصِ دُونَ الصَّغِيرِ، فَاشْتَبَهَ ذَلكَ عَلى صَاحِبِ هَذَا الوَجْهِ، قَال أَصْحَابُنَا: وَسَوَاءٌ شَرَطْنَا العَدَدَ أَمْ لا، فَشَرْطُ الخَارِصِ كَوْنُهُ مُسْلمًا عَدْلًا عَالمًا بِالخَرْصِ.
وَأَمَّا: الذُّكُورَةُ وَالحُرِّيَّةُ فَذَكَرَ الشَّاشِيُّ فِي اشْتِرَاطِهِمَا وَجْهَيْنِ مُطْلقًا، وَالأَصَحُّ اشْتِرَاطُهُمَا، وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي المُحَرَّرِ. وَقَال أَبُو المَكَارِمِ فِي العُدَّةِ: إنْ قُلنَا يَكْفِي خَارِصٌ كَالحَاكِمِ اُشْتُرِطَتْ الذُّكُورَةُ وَالحُرِّيَّةُ وَإِلا فَوَجْهَانِ: أحدهما: الجَوَازُ، كَمَا يَجُوزُ كَوْنُهُ كَيَّالًا وَوَزَّانًا، والثاني: لا؛ لأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلى اجْتِهَادٍ كَالحَاكِمِ بِخِلافِ الكَيْل وَالوَزْنِ. قَال الرَّافِعِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلامَ أَبِي المَكَارِمِ: لك أَنْ تَقُول: إنْ اكْتَفَيْنَا بِوَاحِدٍ، فَهُوَ كَالحَاكِمِ فَيُشْتَرَطَانِ، وَإِنْ شَرَطْنَا اثْنَيْنِ فَسَبِيلهُ سَبِيل الشَّهَادَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ تُشْتَرَطَ الحُرِّيَّةُ وَأَنْ تُشْتَرَطَ الذُّكُورَةُ فِي أَحَدِهِمَا، وَيُقَامُ امْرَأَتَانِ مَقَامَ الآخَرِ، فَحَصَل مِنْ هَذَا كُلهِ أَنَّ المَذْهَبَ اشْتِرَاطُ الحُرِّيَّةِ وَالذُّكُورَةِ دُونَ العَدَدِ. فَلوْ اخْتَلفَ الخَارِصَانِ فِي المِقْدَارِ، قَال الدَّارِمِيُّ: تَوَقَّفْنَا حَتَّى نَتَبَيَّنَ المِقْدَارَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَحَكَى السَّرَخْسِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ: أحدهما: يُؤْخَذُ بِالأَقَل؛ لأَنَّهُ اليَقِينُ، والثاني: يَخْرُصُهُ ثَالثٌ، وَيُؤْخَذُ بِمَنْ هُوَ أَقْرَبُ إلى خَرْصِهِ مِنْهُمَا، وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الذِي جَزَمَ بِهِ الدَّارِمِيُّ، وَهُوَ الأَصَحُّ، وَاَللهُ تَعَالى أَعْلمُ.
الرابعة: الخَرْصُ هَل هُوَ عِبْرَةٌ أَمْ تَضْمِينٌ؟، فِيهِ قَوْلانِ مَشْهُورَانِ فِي طَرِيقَةِ الخُرَاسَانِيِّينَ أصحهما: تَضْمِينٌ، وَمَعْنَاهُ يَنْقَطِعُ حَقُّ المَسَاكِينِ مِنْ عَيْنِ الثَّمَرَةِ وَيَنْتَقِل إلى ذِمَّةِ المَالكِ، والثاني: عِبْرَةٌ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ مُجَرَّدُ اعْتِبَارٍ للقَدْرِ، وَلا يَنْقَطِعُ حَقُّ المَسَاكِينِ مِنْ عَيْنِ الثَّمَرَةِ؛ وَبِالأَوَّل قَطَعَ المُصَنِّفُ وَالعِرَاقِيُّونَ. وَمَنْ فَوَائِدِ الخِلافِ أَنَّهُ هَل يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي كُل الثِّمَارِ بَعْدَ الخَرْصِ؟ إنْ قُلنَا تَضْمِينٌ جَازَ، وَإِلا فَفِيهِ خِلافٌ سَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى، وَمِنْهَا: أَنَّهُ لوْ أَتْلفَ المَالكُ الثِّمَارَ أُخِذَتْ مِنْهُ الزَّكَاةُ بِحِسَابِ مَا خَرَصَ، وَلوْلا الخَرْصُ لكَانَ القَوْل قَوْلهُ فِي ذَلكَ. فَإِنْ قُلنَا: الخَرْصُ عِبْرَةٌ فَضَمَّنَ السَّاعِي المَالكَ حَقَّ المَسَاكِينِ تَضْمِينًا صَرِيحًا، وَقَبِلهُ المَالكُ كَانَ لغْوًا وَيَبْقَى حَقُّهُمْ عَلى مَا كَانَ، وَإِنْ قُلنَا تَضْمِينٌ فَهَل نَفْسُ الخَرْصِ تَضْمِينٌ أَمْ لا بُدَّ مِنْ تَصْرِيحِ الخَارِصِ بِذَلكَ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ:"أَحَدُهُمَا": عَلى وَجْهَيْنِ،"أَحَدُهُمَا"نَفْسُهُ تَضْمِينٌ،"وَالثَّانِي": لا بُدَّ مِنْ التَّصْرِيحِ، قَال إمَامُ الحَرَمَيْنِ وَعَلى هَذَا فَاَلذِي أَرَاهُ أَنَّهُ يَكْفِي تَضْمِينُ الخَارِصِ وَلا يَفْتَقِرُ إلى قَبُول المَالكِ. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: وَهُوَ المَذْهَبُ وَعَليْهِ العَمَل وَبِهِ قَطَعَ الجُمْهُورُ أَنَّهُ لا بُدَّ مِنْ التَّصْرِيحِ بِالتَّضْمِينِ وَقَبُول المَالكِ، فَإِنْ لمْ يَضْمَنْهُ أَوْ ضَمِنَهُ فَلمْ يَقْبَلهُ المَالكُ بَقِيَ حَقُّ المَسَاكِينِ كَمَا كَانَ، وَهَل يَقُومُ وَقْتَ الخَرْصِ مَقَامَ الخَرْصِ؟ إنْ قُلنَا: