فهرس الكتاب
ج / 5 ص -340- الأَنْصَارِيُّ وَمَالكٌ وَالأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالحَسَنُ بْنُ صَالحٍ وَابْنُ أَبِي ليْلى وَالليْثُ وَابْنُ المُبَارَكِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَدَاوُد
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: لا يَجِبُ العُشْرُ مَعَ الخَرَاجِ. وَاحْتَجَّ بِحَدِيثٍ يُرْوَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعٍ:"لا يَجْتَمِعُ عُشْرٌ وَخَرَاجٌ فِي أَرْضِ مُسْلمٍ"وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَال"مَنَعَتْ العِرَاقُ قَفِيزَهَا وَدِرْهَمَهَا"وَلمَا رُوِيَ أَنَّ دِهْقَانَ بَهَرَ المَلكَ لمَّا أَسْلمَ. قَال عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه: سَلمُوا إليْهِ الأَرْضَ وَخُذُوا مِنْهُ الخَرَاجَ، فَأَمَرَ بِأَخْذِ الخَرَاجِ وَلمْ يَأْمُرْ بِأَخْذِ العُشْرِ، وَلوْ كَانَ وَاجِبًا لأَمَرَ بِهِ؛ وَلأَنَّ الخَرَاجَ يَجِبُ بِالمَعْنَى الذِي يَجِبُ بِهِ العُشْرُ، وَهُوَ مَنْفَعَةُ الأَرْضِ، وَلهَذَا لوْ كَانَتْ الأَرْضُ سَبْخَةً لا مَنْفَعَةَ لهَا لمْ يَجِبْ فِيهَا خَرَاجٌ وَلا عُشْرٌ فَلمْ يَجُزْ إيجَابُهُمَا مَعًا، كَمَا إذَا مَلكَ نِصَابًا مِنْ السَّائِمَةِ للتِّجَارَةِ سَنَةً، فَإِنَّهُ لا يَلزَمُهُ زَكَاتَانِ؛ وَلأَنَّ الخَرَاجَ يَجِبُ بِسَبَبِ الشِّرْكِ، وَالعُشْرَ بِسَبَبِ الإِسْلامِ فَلمْ يَجْتَمِعَا. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلهِ صلى الله عليه وسلم:"فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ العُشْرُ"وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِ زَكَاةِ الثِّمَارِ، وَهُوَ عَامٌّ يَتَنَاوَل مَا فِي أَرْضِ الخَرَاجِ وَغَيْرِهِ. وَاحْتَجُّوا بِالقِيَاسِ الذِي ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ وَبِالقِيَاسِ عَلى المَعَادِنِ؛ وَلأَنَّهُمَا حَقَّانِ يَجِبَانِ بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلفَيْنِ لمُسْتَحِقَّيْنِ، فَلمْ يَمْنَعْ أَحَدُهُمَا الآخَرَ كَمَا لوْ قَتَل المُحْرِمُ صَيْدًا مَمْلوكًا؛ وَلأَنَّ العُشْرَ وَجَبَ بِالنَّصِّ فَلا يَمْنَعُهُ الخَرَاجُ الوَاجِبُ بِالاجْتِهَادِ.
وَأَمَّا الجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ:"لا يَجْتَمِعُ عُشْرٌ وَخَرَاجٌ"فَهُوَ أَنَّهُ حَدِيثٌ بَاطِلٌ مُجْمَعٌ عَلى ضَعْفِهِ، انْفَرَدَ بِهِ يَحْيَى بْنُ عَنْبَسَةَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَلقَمَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَال البَيْهَقِيُّ رحمه الله تعالى فِي مَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالآثَارِ: هَذَا المَذْكُورُ إنَّمَا يَرْوِيهِ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ مِنْ قَوْلهِ فَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ عَنْبَسَةَ هَكَذَا مَرْفُوعًا. وَيَحْيَى بْنُ عَنْبَسَةَ مَكْشُوفُ الأَمْرِ فِي الضَّعْفِ لرِوَايَتِهِ عَنْ الثِّقَاتِ المَوْضُوعَاتِ. قَالهُ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ الحَافِظُ فِيمَا أَخْبَرَنَا بِهِ أَبُو سَعِيدٍ المَالينِيُّ عَنْهُ. هَذَا كَلامُ البَيْهَقِيّ وَكَلامُ البَاقِينَ بِمَعْنَاهُ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ"مَنَعَتْ العِرَاقُ"فَفِيهِ تَأْوِيلانِ مَشْهُورَانِ فِي كُتُبِ العُلمَاءِ المُتَقَدِّمِينَ وَالمُتَأَخِّرِينَ أحدهما: مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ سَيُسْلمُونَ وَتَسْقُطُ عَنْهُمْ الجِزْيَةُ، والثاني: أَنَّهُ إشَارَةٌ إلى الفِتَنِ الكَائِنَةِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ حَتَّى يَمْنَعُوا الحُقُوقَ الوَاجِبَةَ عَليْهِمْ مِنْ زَكَاةٍ وَجِزْيَةٍ وَغَيْرِهِمَا، وَلوْ كَانَ مَعْنَى الحَدِيثِ مَا زَعَمُوهُ للزِمَ أَنْ لا تَجِبَ زَكَاةُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالتِّجَارَةِ. وَهَذَا لا يَقُول بِهِ أَحَدٌ. وَأَمَّا قِصَّةُ الدُّهْقَانِ فَمَعْنَاهَا خُذُوا مِنْهُ الخَرَاجَ؛ لأَنَّهُ أَخَّرَهُ فَلا يَسْقُطُ بِإِسْلامِهِ وَلا يَلزَمُ مِنْ ذَلكَ سُقُوطُ العُشْرِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الخَرَاجَ؛ لأَنَّهُمْ رُبَّمَا تَوَهَّمُوا سُقُوطَهُ بِالإِسْلامِ كَالجِزْيَةِ. وَأَمَّا العُشْرُ، فَمَعْلومٌ لهُمْ وُجُوبُهُ عَلى كُل حُرٍّ مُسْلمٍ، فَلمْ يَحْتَجْ إلى ذِكْرِهِ، كَمَا أَنَّهُ لمْ يَذْكُرْ أَخْذَ زَكَاةِ المَاشِيَةِ مِنْهُ، وَكَذَا زَكَاةُ النَّقْدِ وَغَيْرُهَا، وَكَذَا لمْ يَذْكُرْ إلزَامَهُ بِالصَّلاةِ وَالصِّيَامِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَحْكَامِ الإِسْلامِ. وَأَجَابَ صَاحِبُ الحَاوِي أَيْضًا بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خِطَابُ عُمَرَ لمُتَوَلي الخَرَاجِ الذِي لا وِلايَةَ لهُ عَلى الأَعْشَارِ، أَوْ أَنَّهُ لمْ يَكُنْ وَقْتَ أَخْذِ العُشْرِ، أَوْ أَنَّهُ لمْ يَكُنْ لهُ مَا يَجِبُ فِيهِ عُشْرٌ. وَأَمَّا قَوْلهُمْ: يَجِبُ العُشْرُ بِالمَعْنَى الذِي يَجِبُ بِهِ الخَرَاجُ، فَليْسَ كَذَلكَ؛ لأَنَّ العُشْرَ يَجِبُ فِي نَفْسِ الزَّرْعِ وَالخَرَاجُ يَجِبُ عَنْ الأَرْضِ، سَوَاءٌ زَرَعَهَا أَمْ أَهْمَلهَا. وَأَمَّا قَوْلهُمْ: الخَرَاجُ يَجِبُ بِسَبَبِ الشِّرْكِ فَليْسَ كَذَلكَ وَإِنَّمَا تَجِبُ أُجْرَةُ الأَرْضِ سَوَاءٌ كَانَ فِي يَدِ