فهرس الكتاب
ج / 5 ص -341- مُسْلمٍ أَوْ كَافِرٍ؛ وَلأَنَّ هَذَا فَاسِدٌ عَلى مَذْهَبِهِمْ فَإِنَّ عِنْدَهُمْ يَجِبُ العُشْرُ عَلى الذِّمِّيِّ، وَاَللهُ تَعَالى أَعْلمُ.
فرع: إذَا كَانَ لمُسْلمٍ أَرْضٌ لا خَرَاجَ عَليْهَا وَعَليْهِ العُشْرُ فَبَاعَهَا الذِّمِّيَّ فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ ليْسَ عَلى الذِّمِّيِّ فِيهَا خَرَاجٌ وَلا عُشْرٌ قَال العَبْدَرِيُّ: وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: عَليْهِ الخَرَاجُ: وَقَال أَبُو يُوسُفَ: عَليْهِ عُشْرَانِ وَقَال مُحَمَّدٌ: عُشْرٌ وَاحِدٌ. وَقَال مَالكٌ: لا يَصِحُّ البَيْعُ حَتَّى لا تَخْلوَ الأَرْضُ مِنْ عُشْرٍ أَوْ خَرَاجٍ. دَليلنَا أَنَّهَا أَرْضٌ لا خَرَاجَ عَليْهَا، فَلا يَتَجَدَّدُ عَليْهَا خَرَاجٌ، كَمَا لوْ بَاعَهَا لمُسْلمٍ، وَيُنْتَقَضُ مَذْهَبُ مَالكٍ بِمَا إذَا بَاعَ المَاشِيَةَ لذِمِّيٍّ، وَاَللهُ أَعْلمُ.
فرع: وَإِذَا أَجَّرَ أَرْضَهُ، فَمَذْهَبُنَا أَنَّ عُشْرَ زَرْعِهَا عَلى المُسْتَأْجِرِ الزَّارِعِ وَبِهِ قَال مَالكٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد، وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ عَلى صَاحِبِ الأَرْضِ، وَلوْ اسْتَعَارَ أَرْضًا فَزَرَعَهَا فَعُشْرُ الزَّرْعِ عَلى المُسْتَعِيرِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ العُلمَاءِ كَافَّةً، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ أَشْهَرُهُمَا هَكَذَا، وَالثَّانِيَةُ رَوَاهَا عَنْهُ ابْنُ المُبَارَكِ أَنَّهُ عَلى المُعِيرِ، وَهَذَا عَجَبٌ.
فرع: فِي مَسَائِل تَتَعَلقُ بِبَابَيْ زَكَاةِ الثِّمَارِ وَالزُّرُوع
إحداها: لا يَجِبُ العُشْرُ عِنْدَنَا فِي ثِمَارِ الذِّمِّيِّ وَالمُكَاتَبِ وَزَرْعِهِمَا، وَأَوْجَبَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي زَرْعِ الذِّمِّيِّ وَثَمَرِهِ لعُمُومِ الحَدِيثِ:"فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ العُشْرُ"؛ وَلأَنَّهُ حَقٌّ يَجِبُ لمَنْفَعَةِ الأَرْضِ، فَاسْتَوَى المُسْلمُ وَالكَافِرُ فِيهِ كَالخَرَاجِ، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا أَنَّ العُشْرَ زَكَاةٌ للحَدِيثِ السَّابِقِ فِي الكَرْمِ، يُخْرَصُ كَمَا يُخْرَصُ النَّخْل، ثُمَّ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ زَبِيبًا، كَمَا تُؤَدَّى زَكَاةُ النَّخْل تَمْرًا، وَإِذَا كَانَ زَكَاةً، فَلا يَجِبُ عَلى الذِّمِّيِّ كَسَائِرِ الزَّكَوَاتِ، أَوْ يُقَال حَقٌّ يُصْرَفُ إلى أَهْل الزَّكَوَاتِ، فَلمْ يَجِبْ عَلى الذِّمِّيِّ كَسَائِرِ الزَّكَوَاتِ. وَأَمَّا الحَدِيثُ فَمَخْصُوصٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَمَّا القِيَاسُ المَذْكُورُ فَليْسَ كَمَا قَالوهُ. بَل حَقُّ العُشْرِ مُتَعَلقٌ بِالزَّرْعِ عَلى سَبِيل الطُّهْرَةِ للمُزَكِّي.
الثانية: قَال أَصْحَابُنَا: إذَا وَجَبَ العُشْرُ فِي الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ لمْ يَجِبْ فِيهَا بَعْدَ ذَلكَ شَيْءٌ. وَإِنْ بَقِيَتْ يَدُ مَالكِهَا سِنِينَ. هَذَا مَذْهَبُنَا. قَال المَاوَرْدِيُّ وَبِهِ قَال جَمِيعُ الفُقَهَاءِ إلا الحَسَنَ البَصْرِيَّ، فَقَال: عَلى مَالكِهَا العُشْرُ فِي كُل سَنَةٍ كَالمَاشِيَةِ وَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ. قَال المَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا خِلافُ الإِجْمَاعِ؛ وَلأَنَّ اللهَ تَعَالى عَلقَ وُجُوبَ الزَّكَاةِ بِحَصَادِهِ، وَالحَصَادُ لا يَتَكَرَّرُ، فَلمْ يَتَكَرَّرْ العُشْرُ؛ وَلأَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا تَتَكَرَّرُ فِي الأَمْوَال النَّامِيَةِ. وَمَا اُدُّخِرَ مِنْ زَرْعٍ وَثَمَرٍ، فَهُوَ مُنْقَطِعُ النَّمَاءِ مُتَعَرِّضٌ للنَّفَادِ. فَلمْ تَجِبْ فِيهِ زَكَاةٌ كَالأَثَاثِ وَالمَاشِيَةِ، فَإِنَّهَا مُرْصَدَةٌ للنَّمَاءِ وَاَللهُ تَعَالى أَعْلمُ.
الثالثة: قَال صَاحِبُ الحَاوِي: رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم"أَنَّهُ نَهَى عَنْ جِذَاذِ الليْل"وَهُوَ صِرَامُ النَّخْل ليْلًا. فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الصِّرَامُ نَهَارًا ليَسْأَلهُ النَّاسُ مِنْ ثَمَرِهَا فَيُسْتَحَبُّ ذَلكَ فِيمَا وَجَبَتْ زَكَاتُهُ وَفِيمَا لا زَكَاةَ فِيهِ أَيْضًا، قَال: وَحُكِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالنَّخَعِيِّ أَيْضًا أَنَّ الصَّدَقَةَ مِنْ المَال وَقْتَ الصِّرَامِ وَالحَصَادِ وَاجِبَةٌ لقوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ سَائِرِ العُلمَاءِ أَنَّهُ لا يَجِبُ ذَلكَ؛ لأَنَّ الأَصْل عَدَمُ الوُجُوبِ، وَالآيَةُ المَذْكُورَةُ المُرَادُ بِهَا الزَّكَاةُ وَاَللهُ أَعْلمُ.
فرع: رَوَيْنَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الزَّكَاةِ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: