فهرس الكتاب
ج / 5 ص -344- الخامس: أَنْ يَكُونَ بَعْضُ التَّرِكَةِ نَخْلًا، وَبَعْضُهَا عُرُوضًا، فَيَبِيعُ أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ مِنْ النَّخْل وَالثَّمَرِ بِحِصَّةِ صَاحِبِهِ مِنْ العُرُوضِ، فَيَصِيرُ لأَحَدِهِمَا جَمِيعُ النَّخْل وَللآخَرِ جَمِيعُ العُرُوضِ، قَال صَاحِبُ الحَاوِي: وَهَذِهِ الأَوْجُهُ الأَرْبَعَةُ ليْسَتْ مُقْنِعَةً؛ لأَنَّهَا بَيْعُ جِنْسٍ بِغَيْرِهِ، وَليْسَ قِسْمَةَ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَلكِنْ ذَكَرَهَا أَصْحَابُنَا فَذَكَرْنَاهَا.
السادس: جَوَابٌ لبَعْضِ الأَصْحَابِ قَال: قِسْمَةُ الثِّمَارِ بِالخَرْصِ تَجُوزُ عَلى أَحَدِ القَوْليْنِ، وَنَصُّ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه مُفَرَّعٌ عَليْهِ، وَهَذَا الجَوَابُ ذَكَرَهُ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ، قَال الشَّافِعِيُّ فِي الصَّرْفِ: عَلى جَوَازِ قِسْمَةِ الرُّطَبِ عَلى النَّخْل بِالخَرْصِ. قَال الرَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى: وَهَذَا يَدْفَعُ إشْكَال بَيْعِ الجُزَافِ، وَلا يَدْفَعُ إشْكَال بَيْعِ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ.
"قُلتُ:"نَصُّهُ عَلى جَوَازِهِ يَدُل عَلى المُسَامَحَةِ بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ البَيْعِ، وَلنَا وَجْهٌ مَعْرُوفٌ فِي جَوَازِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ عَلى رُءُوسِ النَّخْل للأَجَانِبِ، فَهُوَ فِي حَقِّ المُتَقَاسِمَيْنِ أَوْلى بِالجَوَازِ.
السابع: ذَكَرَهُ الدَّارِمِيُّ، قَال: حَكَى أَبُو حَامِدٍ جَوَازَ قِسْمَةِ النَّخْل المُثْمِرِ، وَلا حُكْمَ للثَّمَرِ؛ لأَنَّهُ تَابِعٌ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّارِمِيُّ بَقِيَّةَ الأَرْبَعَةَ عَشَرَ. وَفِي بَعْضِهَا نَظَرٌ وَتَدَاخُلٌ وَاَللهُ تَعَالى أَعْلمُ. الاعْتِرَاضُ الثَّانِي: قَال أَصْحَابُنَا العِرَاقِيُّونَ: جَوَازُ القِسْمَةِ قَبْل إخْرَاجِ الزَّكَاةِ هُوَ بِنَاءٌ عَلى وُجُوبِهَا فِي الذِّمَّةِ، فَأَمَّا إنْ قُلنَا: إنَّ الزَّكَاةَ تَتَعَلقُ، فَلا تَصِحُّ القِسْمَةُ. قَال الرَّافِعِيُّ وَيُمْكِنُ تَصْحِيحُ القِسْمَةِ مَعَ التَّفْرِيعِ عَلى قَوْل العَيْنِ، بِأَنْ يَخْرُصَ الثِّمَارَ عَليْهِمْ وَيَضْمَنُوا حَقَّ المَسَاكِينِ، فَلهُمْ التَّصَرُّفُ بَعْدَ ذَلكَ. وَأَيْضًا فَإِنَّا قَدَّمْنَا فِي صِحَّةِ البَيْعِ قَوْليْنِ تَفْرِيعًا عَلى التَّعْليقِ بِالعَيْنِ، هَكَذَا القِسْمَةُ إنْ قُلنَا: إنَّهَا بَيْعٌ. وَإِنْ قُلنَا: إفْرَازٌ فَلا مَنْعَ. هَذَا كُلهُ إذَا لمْ يَكُنْ عَلى المَيِّتِ دَيْنٌ، فَإِنْ مَاتَ وَعَليْهِ دَيْنٌ وَلهُ نَخِيلٌ مُثْمِرَةٌ، فَبَدَأَ الصَّلاحُ فِيهَا بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَبْل بَيْعِهَا، فَالمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الجُمْهُورُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ عَلى الوَرَثَةِ؛ لأَنَّهَا مِلكُهُمْ مَا لمْ تُبَعْ فِي الدَّيْنِ بِنَاءً عَلى المَذْهَبِ، وَالمَنْصُوصُ أَنَّ الدَّيْنَ لا يَمْنَعُ انْتِقَال المِلكِ بِالإِرْثِ، وَقِيل فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ قَوْلانِ أصحهما: هَذَا، والثاني: لا زَكَاةَ لعَدَمِ اسْتِقْرَارِ المِلكِ فِي الحَال. قَال الرَّافِعِيُّ: وَيُمْكِنُ بِنَاءً عَلى الخِلافِ عَلى أَنَّ الدَّيْنَ هَل يَمْنَعُ الإِرْثَ أَمْ لا؟ فَعَلى المَذْهَبِ حُكْمُهُمْ فِي كَوْنِهِمْ يُزَكُّونَ زَكَاةَ خُلطَةٍ أَمْ انْفِرَادٍ؟ عَلى مَا سَبَقَ إذَا لمْ يَكُنْ دَيْنٌ، ثُمَّ إنْ كَانُوا مُوسِرِينَ أُخِذَتْ الزَّكَاةُ مِنْهُمْ وَصُرِفَتْ النَّخِيل وَالثِّمَارُ إلى دُيُونِ الغُرَمَاءِ. وَإِنْ كَانُوا مُعْسِرِينَ فَطَرِيقَانِ:
أحدهما: أَنَّهُ عَلى الخِلافِ فِي أَنَّ الزَّكَاةَ تَتَعَلقُ بِالعَيْنِ أَمْ بِالذِّمَّةِ؟ إنْ قُلنَا بِالذِّمَّةِ، وَالمَال مَرْهُونٌ بِهَا خَرَجَ عَلى الأَقْوَال الثَّلاثَةِ فِي اجْتِمَاعِ حَقِّ اللهِ تَعَالى وَحَقِّ الآدَمِيِّ. فَإِنْ سَوَّيْنَا وَزَّعْنَا المَال عَلى الزَّكَاةِ وَحَقِّ الغُرَمَاءِ. وَإِنْ قَدَّمْنَا قَدَّمْنَا مَا يُقَال بِتَقْدِيمِهِ. وَإِنْ قُلنَا: تَتَعَلقُ بِالعَيْنِ أُخِذَتْ سَوَاءٌ قُلنَا تَتَعَلقُ تَعَلقَ الأَرْشِ أَوْ تَعَلقَ الشَّرِكَةِ.
والطريق الثاني: وَهُوَ الأَصَحُّ تُؤْخَذُ الزَّكَاةُ بِكُل حَالٍ لشِدَّةِ تَعَلقِهَا بِالمَال، ثُمَّ إذَا أُخِذَتْ مِنْ العَيْنِ وَلمْ يَفِ البَاقِي بِالدَّيْنِ غَرِمَ الوَرَثَةُ قَدْرَ الزَّكَاةِ لغُرَمَاءِ المَيِّتِ إذَا أَيْسَرُوا؛ لأَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا وَجَبَتْ عَليْهِمْ، وَبِسَبَبِ وُجُوبِهَا خَرَجَ ذَلكَ القَدْرُ عَنْ الغُرَمَاءِ. قَال البَغَوِيّ: هَذَا إذَا قُلنَا الزَّكَاةُ تَتَعَلقُ بِالذِّمَّةِ،