فهرس الكتاب

الصفحة 2052 من 4102

ج / 6 ص -36- قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَلَوْ وَجَدَ رِكَازًا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ الْمِلْكُ مُسْتَطْرَقًا يَسْتَوِي النَّاسُ فِي اسْتِطْرَاقِهِ مِنْ غَيْرِ مَنْعٍ، فَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ"التَّقْرِيبِ"فِيهِ خِلَافًا، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَمَوْضِعُ الْخِلَافِ فِيهِ تَأَمُّلٌ، قَالَ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ أَوْرَدَهُ فِي حُكْمَيْنِ أحدهما: إذَا وَجَدَ غَيْرُ مَالِكِ تِلْكَ السَّاحَةِ الْكَنْزَ، وَلَمْ يَكُنْ مَالِكُ الْأَرْضِ مُحْيِيًا ابْتِدَاءً - وَجَهِلْنَا مُحْيِيهَا - فَهَلْ يَحِلُّ لِلْوَاجِدِ أَخْذُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أحدهما: لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْهُ فِي مَكَان مُبَاحٍ لَا اخْتِصَاصَ بِهِ لِأَحَدٍ، وَهَذَا شَرْطٌ والثاني: يَحِلُّ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ وَإِنْ كَانَ مُخْتَصًّا، فَالِاسْتِطْرَاقُ شَائِعٌ وَالْمَنْعُ زَائِلٌ، وَلَيْسَ مَالِكُ الْأَرْضِ مُحْيِيًا. قَالَ الْإِمَامُ: وَالظَّاهِرُ عِنْدِي: أَنَّ الْوَاجِدَ لَا يَمْلِكُهُ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي حُكْمِ التَّنَازُعِ، فَإِذَا قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا: أَنَا وَضَعْتُهُ فَأَيُّهُمَا يُصَدَّقُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أصحهما: مَالِكُ الْأَرْضِ لِلْيَدِ عَلَى الْأَرْضِ والثاني: الْوَاجِدُ؛ لِثُبُوتِ يَدِهِ عَلَى الْكَنْزِ فِي الْحَالِ، وَلَوْ تَنَازَعَا قَبْلَ إخْرَاجِ الْكَنْزِ مِنْ الْأَرْضِ صُدِّقَ مَالِكُ الْأَرْضِ بِيَمِينِهِ بِلَا خِلَافٍ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَلَا يَجِبُ إلَّا فِي مَالِ جَاهِلِيٍّ يُعْلَمُ أَنَّ مِثْلَهُ لَا يَضْرِبُ فِي الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ مُسْلِمٌ إلَى أَنْ وَجَدَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ ضَرْبِ الْإِسْلَامِ كَالدَّرَاهِمِ الْأَحَدِيَّةِ وَمَا عَلَيْهِ اسْمُ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ لُقَطَةٌ، وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَالِ الْجَاهِلِيَّةِ، بِأَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ عَلَامَةٌ لِأَحَدٍ فَالْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ لُقَطَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ فَغَلَبَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: هُوَ رِكَازٌ؛ لِأَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي وُجِدَ فِيهِ مَوَاتٌ يَشْهَدُ بِأَنَّهُ رِكَازٌ".

الشرح: قَالَ أَصْحَابُنَا رحمهم الله: الْكَنْزُ الْمَوْجُودُ فِي الْمَوَاتِ وَنَحْوُهُ مِمَّا سَبَقَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا: يُعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ ضَرْبِ الْجَاهِلِيَّةِ بِأَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ اسْمٌ لِمَلِكٍ مِنْ مُلُوكِهِمْ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعَلَامَاتِ، فَهَذَا رِكَازٌ بِلَا خِلَافٍ، فَيَجِبُ فِيهِ الْخُمُسُ وَالْبَاقِي لِوَاجِدِهِ والثاني: أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ مِنْ ضَرْبِ الْإِسْلَامِ بِأَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ اسْمُ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الْإِسْلَامِ أَوْ آيَةٌ أَوْ آيَاتٌ مِنْ الْقُرْآنِ كَالدَّرَاهِمِ الْأَحَدِيَّةِ بِتَخْفِيفِ الْحَاء - وَهِيَ الَّتِي عَلَيْهَا {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الاخلاص:1] - فَهَذَا لَا يَمْلِكُهُ الْوَاجِدُ بِلَا خِلَافٍ بَلْ يَلْزَمُهُ رَدُّهُ إلَى مَالِكِهِ إنْ عَلِمَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ فَطَرِيقَانِ، قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجَمَاهِيرُ فِي كُلِّ الطُّرُقِ بِأَنَّهُ لُقَطَةٌ يُعَرِّفُهُ وَاجِدُهُ سَنَةً، ثُمَّ يَتَمَلَّكُهُ إنْ لَمْ يَظْهَرْ مَالِكُهُ.

الطَّرِيقُ الثَّانِي: حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَفِيهِ وَجْهَانِ أصحهما: هَذَا والثاني: لَا يَكُونُ لُقَطَةً، بَلْ يَحْفَظُهُ عَلَى مَالِكِهِ أَبَدًا، حَكَاهُ الْبَغَوِيّ عَنْ الْقَفَّالِ وَحَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ السِّنْجِيِّ، قَالَ: فَعَلَى هَذَا يُمْسِكُهُ الْوَاجِدُ أَبَدًا، وَأَنَّ لِلسُّلْطَانِ حِفْظَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ الضَّائِعَةِ، فَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ حِفْظَهُ أَبَدًا فَعَلَ، وَإِنْ رَأَى اقْتِرَاضَهُ لِمَصْلَحَةٍ فَعَلَ مَا سَنَذْكُرُهُ فِي الْأَمْوَالِ الضَّائِعَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يَمْلِكُهُ الْوَاجِدُ بِحَالٍ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللُّقَطَةِ: أَنَّ اللُّقَطَةَ تَسْقُطُ مِنْ مَالِكِهَا فِي مَضِيعَةٍ، فَجَوَّزَ الشَّرْعُ لِوَاجِدِهَا تَمَلُّكَهَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ تَرْغِيبًا لِلنَّاسِ فِي أَخْذِهَا وَحِفْظِهَا، وَأَمَّا الْكَنْزُ الْمَذْكُورُ فَمُحْرَزٌ بِالدَّفْنِ غَيْرُ مُضَيَّعٍ، فَأَشْبَهَ الْإِبِلَ الْمُمْتَنِعَةِ مِنْ السِّبَاعِ إذَا وَجَدَهَا فِي الصَّحْرَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُهَا لِلتَّمَلُّكِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَهَذَا نَظِيرُ مَنْ طَيَّرَتْ الرِّيحُ ثَوْبًا إلَى دَارِهِ أَوْ حِجْرِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ بِالتَّعْرِيفِ، وَقَدْ خَالَفَ أَبُو عَلِيٍّ غَيْرَهُ فِي هَذَا الِاسْتِشْهَادِ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت