فهرس الكتاب
ج / 6 ص -59- الْمَنْفَعَةِ عَنْ الْحَبِّ فَلَمْ يَجُزْ كَالْخُبْزِ، وأما: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ (فَقَدْ) قَالَ أَبُو دَاوُد: رَوَى سُفْيَانُ الدَّقِيقَ وَوَهِمَ فِيهِ ثُمَّ رَجَعَ"."
الشرح: قَالَ أَصْحَابُنَا: يُشْتَرَطُ فِي الْمُخْرَجِ مِنْ الْفِطْرَةِ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْأَقْوَاتِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا الْعُشْرُ، فَلَا يُجْزِئُ شَيْءٌ مِنْ غَيْرِهَا إلَّا الْأَقِطَ وَالْجُبْنُ وَاللَّبَنُ عَلَى خِلَافٍ فِيهَا سَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَهْمَلَ الْمُصَنِّفُ هُنَا اشْتِرَاطُ كَوْنِهِ مِنْ الْقُوتِ الْمُعَشَّرِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ هُوَ فِي التَّنْبِيهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ، ثُمَّ إنَّ جَمِيعَ الْأَقْوَاتِ الْمُعَشَّرَةِ تُجْزِئُ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْهَا شَيْءٌ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَحُكِيَ قَوْلٌ قَدِيمٌ: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الْعَدَسُ وَالْحِمَّصُ، وَإِنْ كَانَ قُوتًا لَهُمَا، وَالْمَذْهَبُ: الْأَوَّلُ، وَأَمَّا الْأَقِطُ فَفِيهِ طَرِيقَانِ حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ.
أحدهما: وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: الْقَطْعُ بِإِجْزَائِهِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ:"كُنَّا نُخْرِجُ إذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ، صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَهَذَا لَفْظُ إحْدَى رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ، وَالْأَقِطُ ثَابِتٌ فِي رِوَايَاتٍ فِي"الصحيحين"
والطريق الثاني: فِيهِ قَوْلَانِ أصحهما: يُجْزِئُهُ؛ لِلْحَدِيثِ والثاني: لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ فَأَشْبَهَ اللَّحْمَ وَاللَّبَنَ، وَبِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ الْمَرُّوذِيُّ: وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ؛ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ، ثُمَّ الْمَذْهَبُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجَمَاهِيرُ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي إجْزَاءِ الْأَقِطِ بَيْنَ أَهْلِ الْبَادِيَةِ وَالْحَضَرِ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْخِلَافُ فِي أَهْلِ الْبَادِيَةِ، أَمَّا أَهْلُ الْحَضَرِ فَلَا يُجْزِئُهُمْ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ قُوتَهُمْ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ شَاذٌّ فَاسِدٌ مَرْدُودٌ، وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ صَرِيحٌ فِي إبْطَالِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَأَوَّلَهُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي الْبَادِيَةِ، وَهَذَا تَأْوِيلٌ بَاطِلٌ وَاَللَّهِ أَعْلَمُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِنْ جَوَّزْنَا الْأَقِطَ فَهَلْ يُجْزِئُ الْجُبْنُ وَاللَّبَنُ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ أصحهما: وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَجُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ وَآخَرُونَ: يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ الْجُبْنَ أَكْمَلَ مِنْهُ والثاني: حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ وَصَاحِبُ"الحاوي"عَلَى وَجْهَيْنِ أصحهما: يُجْزِئُهُ والثاني: لَا يُجْزِئُهُ، وَصَحَّحَهُ الْمَاوَرْدِيُّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُعَشَّرًا، وَلَا يُدَّخَرُ وَإِنَّمَا جَازَ الْأَقِطُ بِالنَّصِّ وَهُوَ مِمَّا يُدَّخَرُ، وَالْخِلَافُ مَخْصُوصٌ بِمَنْ قُوتُهُ الْأَقِطُ، هَلْ لَهُ إخْرَاجُ اللَّبَنِ وَالْجُبْنِ؟ هَكَذَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا. قَالَ صَاحِبُ"البيان"وَآخَرُونَ: إذَا جَوَّزْنَا الْجُبْنَ وَاللَّبَنَ جَازَ مَعَ وُجُودِ الْأَقِطِ وَمَعَ عَدَمِهِ، وَقَطَعَ الْبَنْدَنِيجِيُّ بِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْأَقِطِ، وَنَقَلَهُ عَنْ نَصِّهِ فِي الْقَدِيمِ، وإن قلنا: لَا يُجْزِئُهُ الْأَقِطُ لَمْ يُجْزِئْهُ اللَّبَنُ وَالْجُبْنُ قَطْعًا.
وَأَمَّا الْمَخِيضُ وَالْكِشْكُ وَالسَّمْنُ وَالْمَصْلُ فَلَا يُجْزِئُهُ شَيْئًا مِنْهَا بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي مَعْنَى اللَّبَنِ وَكَذَا الْجُبْنُ الْمَنْزُوعُ الزُّبْدِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ قُوتَهُ وَقُوتَ الْبَلَدِ أَمْ لَا، لَا يُجْزِئُهُ بِلَا خِلَافٍ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَكَذَا لَوْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْجَزَائِرِ أَوْ غَيْرِهِمْ يَقْتَاتُونَ السَّمَكَ وَالْبَيْضَ فَلَا يُجْزِئُهُمْ بِلَا خِلَافٍ، وَأَمَّا اللَّحْمُ فَالصَّوَابُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ قَوْلًا وَاحِدًا. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: فِي إجْزَائِهِ قَوْلَانِ