فهرس الكتاب
ج / 6 ص -60- كَالْأَقِطِ، قَالَ: كَأَنَّهُمْ رَأَوْا اللَّبَنَ أَصْلَ الْأَقِطِ وَهُوَ عُصَارَةُ اللَّحْمِ، وَهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ بَاطِلٌ لَيْسَ مَوْجُودًا فِي كُتُبِهِمْ، بَلْ الْمَوْجُودُ فِي كُتُبِهِمْ مَعَ كَثْرَتِهَا الْقَطْعُ بِأَنْ لَا يُجْزِئَ بِلَا خِلَافٍ، فَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وأما: الْأَقْوَاتُ النَّادِرَةُ الَّتِي لَا عُشْرَ فِيهَا كَالْغَثِّ1 وَالْحَنْظَلِ فَلَا يُجْزِئُ بِلَا خِلَافٍ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَكَذَا لَوْ اقْتَاتُوا ثَمَرَةً لَا عُشْرَ فِيهَا كَالتِّينِ وَغَيْرِهِ لَا يُجْزِئُ قَطْعًا.
فرع: قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: لَا يُجْزِئُ الْحَبُّ الْمُسَوَّسُ، وَلَا الْمَعِيبُ بِلَا خِلَافٍ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ: وَإِذَا جَوَّزْنَا إخْرَاجَ الْأَقِطِ لَمْ يَجُزْ إخْرَاجُ الْمُمَلَّحِ الَّذِي أَفْسَدَتْ كَثْرَةُ الْمِلْحِ جَوْهَرَهُ، فَإِنْ كَانَ الْمِلْحُ ظَاهِرًا عَلَيْهِ وَلَمْ يُفْسِدْهُ أَجْزَأَهُ، لَكِنَّ الْمِلْحَ غَيْرُ مَحْسُوبٍ، وَيَجِبُ أَنْ يُخْرِجَ قَدْرًا يَكُونُ مَحْضُ الْأَقِطِ مِنْهُ صَاعًا، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُجْزِئُ الْحَبُّ الْقَدِيمُ، وَإِنْ قَلَّتْ قِيمَتُهُ إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَلَا لَوْنُهُ؛ لِأَنَّ الْقِدَمَ لَيْسَ بِعَيْبٍ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي"المختصر". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ: وَغَيْرُ الْقَدِيمِ أَوْلَى، ثُمَّ الْجُمْهُورُ اقْتَصَرُوا عَلَى ذِكْرِ الطَّعْمِ وَاللَّوْنِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ: لَوْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ لَمْ يُجْزِئْهُ وَهَذَا مُرَادُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِالرَّائِحَةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: وَلَا يُجْزِئُ الدَّقِيقُ وَلَا السَّوِيقُ كَمَا لَا تُجْزِئُ الْقِيمَةُ. وَحَكَى الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الْأَنْمَاطِيِّ: أَنَّ الدَّقِيقَ يُجْزِئُ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ:"أَوْ صَاعًا مِنْ دَقِيقٍ"رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَغَلَّطَ الْأَصْحَابُ الْأَنْمَاطِيَّ فِي هَذَا، قَالُوا: وَذِكْرُ الدَّقِيقِ فِي الْحَدِيثِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، قَالَ أَبُو دَاوُد السِّجِسْتَانِيُّ فِي سُنَنِهِ: ذِكْرُ الدَّقِيقِ وَهْمٌ مِنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ2، وَرَوَى أَبُو دَاوُد أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ أَنْكَرُوا عَلَيْهِ ذِكْرَ الدَّقِيقِ فَتَرَكَهُ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أُنْكِرَ عَلَى ابْنِ عُيَيْنَةَ الدَّقِيقُ فَتَرَكَهُ، قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ جَوَازُهُ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مُنْقَطِعًا مَوْقُوفًا عَلَى طَرِيقِ التَّوَهُّمِ، قَالَ: وَلَيْسَ بِثَابِتٍ، قَالَ: وَرُوِيَ مِنْ أَوْجُهٍ ضَعِيفَةٍ لَا تُسَاوِي ذِكْرَهَا. وَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ أَبِي الْفَضْلِ بْنِ عَبْدَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ قَالَ: الصَّحِيحُ عِنْدِي: أَنَّهُ يُجْزِئُ الْخُبْزُ وَالسَّوِيقُ؛ لِأَنَّهُمَا أَرْفَقُ بِالْمَسَاكِينِ، وَالصَّحِيحُ: مَا سَبَقَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ؛ لِأَنَّ الْحَبَّ أَكْمَلُ نَفْعًا؛ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ لِكُلِّ مَا يُرَادُ مِنْهُ بِخِلَافِ الدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ وَالْخُبْزِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: لَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ الْقِيمَةِ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَجَوَّزَهَا أَبُو حَنِيفَةَ، وَسَبَقَتْ دَلَائِلُ الْمَسْأَلَةِ فِي آخِرِ بَابِ صَدَقَةِ الْغَنَمِ.
فَرْعٌ: قَالَ أَصْحَابُنَا: فِي الْوَاجِبِ مِنْ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ الْمُجْزِئَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، أَصَحُّهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الغث: اللحم المهزول، والكلام الرديء (ط) .
2 قال النووي في"التهذيب": قوله في زكاة الفطر من"المهذب"وأما حديث أبي سعيد فقد قال أبو داود: روى سفيان الدقيق ووهم فيه ثم رجع عنه. المراد بأبي داود صاحب"السنن"هو أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني وقد تقدم في ترجمته في"الكنى"، وأما سفيان فهو ابن عيينة، وقد غلط بعض الفضلاء المصنفين في ألفاظ"المهذب"غلطا فاحشا فقال: أراد سفيان الثوري، وهذا خطأ لا شك فيه. ا هـ. من"تهذيب الأسماء واللغات".