فهرس الكتاب
ج / 6 ص -66- تَرِكَةِ الْمَيِّتِ، فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَقَبِلَ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ قَبْلَ الْوَقْتِ، فَالْفِطْرَةُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ حَتَّى دَخَلَ الْوَقْتُ، فَإِنْ قُلْنَا الْمُوصَى لَهُ يَمْلِكُ بِمُجَرَّدِ مَوْتِ الْمُوصِي - لَزِمَهُ الْفِطْرَةُ - فَلَوْ لَمْ يَقْبَلْ، بَلْ رَدَّ الْوَصِيَّةَ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ. أصحهما: الْوُجُوبُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَالِكًا حَالَ الْوُجُوبِ. والثاني: لَا؛ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ. وإن قلنا: لَا يَمْلِكُ إلَّا بِالْقَبُولِ، بَنَى عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ قَبْلَ الْقَبُولِ لِمَنْ؟ وَفِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي كِتَابِ"الْوَصِيَّةِ"أَصَحُّهُمَا: لِلْوَرَثَةِ، فَعَلَى هَذَا فِي الْفِطْرَةِ وَجْهَانِ. أصحهما: عَلَى الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُمْ، وَنَقَلَ صَاحِبُ"البيان"عَنْ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّهَا تَجِبُ فِي تَرِكَةِ الْمَيِّتِ. والثاني: لَا فِطْرَةَ لِضَعْفِهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: مِنْ الْأَوَّلَيْنِ: أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ فَعَلَى هَذَا لَا تَجِبُ فِطْرَتُهُ عَلَى أَحَدٍ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَحَكَى الْبَغَوِيّ مَعَ هَذَا وَجْهًا ضَعِيفًا أَنَّهَا تَجِبُ فِي تَرِكَتِهِ، وإن قلنا: الْمِلْكُ فِي الْوَصِيَّةِ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ قَبِلَ فَعَلَيْهِ الْفِطْرَةُ، وَإِلَّا فَعَلَى الْوَرَثَةِ، هَذَا كُلُّهُ إذَا قَبِلَ الْمُوصَى لَهُ أَوْ رَدَّ، فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الْقَبُولِ وَبَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الْوُجُوبِ فَقَبُولُ وَارِثِهِ كَقَبُولِهِ، وَالْمِلْكُ يَقَعُ لِلْمُوصَى لَهُ الْمَيِّتِ فَحَيْثُ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الْفِطْرَةَ إذَا قَبِلَ بِنَفْسِهِ فَهِيَ فِي تَرِكَتِهِ، إذَا قَبِلَ وَارِثُهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَرِكَةٌ سِوَى الْعَبْدِ فَفِي بَيْعِ جُزْءٍ مِنْهُ لِلْفِطْرَةِ الْخِلَافُ السَّابِقُ. الْأَصَحُّ لَا يُبَاعُ، وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ وَقْتِ الْوُجُوبِ أَوْ مَعَهُ فَالْفِطْرَةُ عَلَى الْوَرَثَةِ إذَا قَبِلُوا؛ لِأَنَّهُ وَقْتَ الْوُجُوبِ كَانَ مِلْكَهُمْ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: لَوْ وُهِبَ لَهُ عَبْدٌ فَقَبِلَ، فَأَهَلَّ هِلَالُ شَوَّالٍ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَفِطْرَتُهُ عَلَى الْوَاهِبِ، وَفِيهِ قَوْلٌ ضَعِيفٌ: إنَّ الْمِلْكَ مَوْقُوفٌ، وَيَتَبَيَّنُ بِالْقَبْضِ أَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْعَقْدِ، فَعَلَى هَذَا فِطْرَتُهُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ، هَكَذَا ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا.
فرع: قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَوْ اشْتَرَى أَبَاهُ وَلَمْ يَقْبِضْهُ، وَلَا دَفَعَ ثَمَنَهُ حَتَّى أَهَلَّ شَوَّالٌ، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ، قَالَ ابْنُ خَيْرَانَ: يَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُ وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ لِلْبَائِعِ فِيهِ عَلَقَةً، وَهِيَ حَقُّ الْحَبْسِ لَقَبْضِ الثَّمَنِ، فَصَارَ كَعَلَقَةِ الْخِيَارِ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا خِلَافُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ"الصَّدَاقِ"وَغَيْرِهِ: بَلْ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْبَيْعُ لَازِمًا عَتَقَ وَلَزِمَهُ الْفِطْرَةُ، سَوَاءٌ دَفَعَ ثَمَنَهُ أَمْ لَا، وَإِنْ كَانَ فِيهِ خِيَارٌ فَعَلَى الْأَقْوَالِ: فِي أَنَّ الْمِلْكَ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ أَمْ لِلْمُشْتَرِي؟ وَالْفِطْرَةُ عَلَى مَنْ لَهُ الْمِلْكُ.
التَّاسِعَةُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي"المختصر": وَتُقَسَّمُ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ تُقَسَّمُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْمَالِ، وَأُحِبُّ دَفْعَهَا إلَى ذَوِي رَحِمِهِ الَّذِينَ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ بِحَالٍ، قَالَ: فَإِنْ طَرَحَهَا عِنْدَ مَنْ تُجْمَعُ عِنْدَهُ أَجْزَأَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. سَأَلَ رَجُلٌ سَالِمًا فَقَالَ: أَلَمْ يَكُنْ ابْنُ عُمَرَ يَدْفَعُهَا إلَى السُّلْطَانِ؟ فَقَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ أَرَى أَنْ لَا يَدْفَعَهَا إلَيْهِ، هَذَا نَصُّ الشَّافِعِيِّ، وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يُفَرِّقَ الْفِطْرَةَ بِنَفْسِهِ، كَمَا لَوْ أَشَارَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا النَّصِّ، وَأَنَّهُ لَوْ دَفَعَهَا إلَى الْإِمَامِ أَوْ السَّاعِي أَوْ مَنْ تُجْمَعُ عِنْدَهُ الْفِطْرَةُ لِلنَّاسِ وَأَذِنَ لَهُ فِي إخْرَاجِهَا أَجْزَأَهُ، وَلَكِنَّ تَفْرِيقَهُ بِنَفْسِهِ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهَذَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي"التَّجْرِيدِ"وَالْبَغَوِيُّ وَالسَّرَخْسِيُّ وَسَائِرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: تَفْرِيقُهَا بِنَفْسِهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يَطْرَحَهَا عِنْدَ مَنْ تُجْمَعُ عِنْدَهُ، قَالَ: فَاحْتَمَلَ ذَلِكَ: أَنْ يُرِيدَ بِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْوَالِي نَزِهًا وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَحَبَّ ذَلِكَ بِكُلِّ حَالٍ. قَالَ: وَهَذَا أَوْلَى.. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.