فهرس الكتاب
ج / 6 ص -95- إحداها: إذَا لَزِمَتْهُ زَكَاةٌ فَمَنَعَهَا أَوْ غَلَّهَا أَيْ كَتَمَهَا وَخَانَ فِيهَا أَخَذَ الْإِمَامُ أَوْ السَّاعِي الْفَرْضَ مِنْهُ، وَالْقَوْلُ الصَّحِيحُ الْجَدِيدُ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ شَطْرَ مَالِهِ. وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ يَأْخُذُهُ، وَسَبَقَ شَرْحُ الْقَوْلَيْنِ بِدَلِيلَيْهِمَا وَفُرُوعِهِمَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الزَّكَاةِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ فِي آخِرِ بَابِ صَدَقَةِ الْغَنَمِ السَّائِمَةِ: وَلَوْ غَلَّ صَدَقَتَهُ عُزِّرَ إذَا كَانَ الْإِمَامُ عَادِلًا إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْجَهَالَةَ وَلَا يُعَزَّرُ إنْ لَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ عَادِلًا هَذَا نَصُّهُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا كَتَمَ مَالَهُ أَوْ بَعْضَهُ عَنْ السَّاعِي أَوْ الْإِمَامِ ثُمَّ اُطُّلِعَ عَلَيْهِ أُخِذَ فَرْضُهُ، فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ أَوْ السَّاعِي جَائِرًا فِي الزِّيَادَةِ، بِأَنْ يَأْخُذَ فَوْقَ الْوَاجِبِ أَوْ لَا يَصْرِفُهَا مَصَارِفَهَا لَمْ يُعَزِّرْهُ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي كَتْمِهِ، وَإِنْ كَانَ عَادِلًا فَلَمْ يَدَّعِ الْمَالِكُ شُبْهَةً فِي الْإِخْفَاءِ عَزَّرَهُ؛ لِأَنَّهُ عَاصٍ آثِمٌ بِكِتْمَانِهِ، وَإِنْ ادَّعَى شُبْهَةً بِأَنْ قَالَ: لَمْ أَعْلَمْ تَحْرِيمَ كِتْمَانِهَا، أَوْ قَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّ تَفْرِقَتِي بِنَفْسِي أَفْضَلُ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ، مُحْتَمَلًا فِي حَقِّهِ لِقُرْبِ إسْلَامِهِ أَوْ لِقِلَّةِ اخْتِلَاطِهِ بِالْعُلَمَاءِ وَنَحْوِهِمْ لَمْ يُعَزِّرْهُ، قَالَ السَّرَخْسِيُّ: فَإِنْ اتَّهَمَهُ فِيهِ حَلَّفَهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ لِاخْتِلَاطِهِ بِالْعُلَمَاءِ وَنَحْوِهِمْ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَعَزَّرَهُ، وَأَمَّا مَانِعُ الزَّكَاةِ فَيُعَزَّرُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، يَخْفَى عَلَيْهِ وُجُوبُهَا أَوْ نَحْوُهُ.
الثَّانِيَةُ: إذَا وَصَلَ السَّاعِي أَصْحَابَ الْأَمْوَالِ , فَإِنْ كَانَ حَوْلُ صَاحِبِ الْمَالِ قَدْ تَمَّ أَخَذَ الزَّكَاةَ وَدَعَا لَهُ كَمَا سَبَقَ . وَإِنْ كَانَ الْحَوْلُ لَمْ يَتِمَّ عَلَى جَمِيعِهِمْ أَوْ بَعْضِهِمْ سَأَلَهُ السَّاعِي تَعْجِيلَ الزَّكَاةِ , وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَالِكِ إجَابَتُهُ وَتَعْجِيلُهَا , فَإِنْ عَجَّلَهَا بِرِضَاهُ أَخَذَهَا وَدَعَا لَهُ وَإِنْ امْتَنَعَ لَمْ يُجْبَرْ ; لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ , ثُمَّ إنْ رَأَى السَّاعِي الْمَصْلَحَةَ فِي أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَأْخُذُهَا عِنْدَ حُلُولِهَا وَيُفَرِّقُهَا عَلَى أَهْلِهَا فَعَلَ , وَإِنْ رَأَى أَنْ يُؤَخِّرَهَا لِيَأْخُذَهَا مِنْهُ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَعَلَ , وَيَكْتُبُهَا لِئَلَّا يَنْسَاهَا أَوْ يَمُوتَ فَلَا يَعْلَمُهَا السَّاعِي بَعْدَهُ . وَرَوَوْا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه"أَخَّرَ الزَّكَاةَ عَامَ الرَّمَادَةِ وَكَانَ عَامَ مَجَاعَةٍ"وَإِنْ رَأَى أَنْ يَرْجِعَ فِي وَقْتِ حُلُولِهَا لِيَأْخُذَهَا فَعَلَ , وَإِنْ وَثِقَ بِصَاحِبِ الْمَالِ فَوَّضَ التَّفْرِيقَ إلَيْهِ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ تَفْرِيقُهُ بِغَيْرِ إذْنٍ فَبِالْإِذْنِ أَوْلَى .
الثالثة: إذَا اخْتَلَفَ السَّاعِي وَرَبُّ الْمَالِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: إنْ كَانَ قَوْلُ الْمَالِكِ لَا يُخَالِفُ الظَّاهِرَ بِأَنْ قَالَ: لَمْ يَحُلْ الْحَوْلُ بَعْدُ، أَوْ قَالَ: هَذِهِ السِّخَالُ اشْتَرَيْتُهَا، وَقَالَ السَّاعِي: بَلْ تَوَلَّدَتْ مِنْ النِّصَابِ، أَوْ قَالَ: تَوَلَّدَتْ بَعْدَ الْحَوْلِ، فَقَالَ السَّاعِي: قَبْلَهُ. أَوْ قَالَ السَّاعِي: كَانَتْ مَاشِيَتُكَ نِصَابًا ثُمَّ تَوَالَدَتْ، فَقَالَ الْمَالِكُ: بَلْ تَمَّتْ نِصَابًا بِالتَّوَالُدِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ وَنَظَائِرِهَا مِمَّا لَا يُخَالِفُ الظَّاهِرَ فَإِنْ رَأَى السَّاعِي تَحْلِيفَهُ حَلَّفَهُ. وَالْيَمِينُ هُنَا مُسْتَحَبَّةٌ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْهَا لَمْ يُكَلَّفْ بِهَا وَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ وَلَمْ يُعَارِضْ الْأَصْلَ ظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ قَوْلُ الْمَالِكِ مُخَالِفًا لِلظَّاهِرِ بِأَنْ قَالَ: بِعْتُهُ ثُمَّ اشْتَرَيْتُهُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ وَلَمْ يَحُلْ حَوْلُهُ بَعْدُ، أَوْ قَالَ: فَرَّقْتُ الزَّكَاةَ بِنَفْسِي وَجَوَّزْنَا ذَلِكَ لَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ بِيَمِينِهِ بِلَا خِلَافٍ. وَهَلْ الْيَمِينُ مُسْتَحَبَّةٌ أَمْ وَاجِبَةٌ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ، ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلَيْهِمَا أصحهما: مُسْتَحَبَّةٌ، وَصَحَّحَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ وَآخَرُونَ، وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ. وَإِنْ قُلْنَا: مُسْتَحَبَّةٌ فَنَكَلَ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى الْيَمِينِ وَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قُلْنَا: وَاجِبَةٌ، فَامْتَنَعَ أُخِذَتْ مِنْهُ الزَّكَاةُ. قَالَ