فهرس الكتاب

الصفحة 2114 من 4102

ج / 6 ص -96- أَصْحَابُنَا: وَلَيْسَ هَذَا أَخْذًا بِالنُّكُولِ بَلْ بِالْوُجُوبِ السَّابِقِ وَالسَّبَبِ الْمُتَقَدِّمِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الزَّكَاةَ انْعَقَدَ سَبَبُ وُجُوبِهَا، وَيَدَّعِي مُسْقِطُهَا وَلَمْ يُثْبِتْهُ بِيَمِينِهِ وَلَا بِغَيْرِهَا، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ فَبَقِيَ الْوُجُوبُ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ إلَّا أَبَا الْعَبَّاسِ بْنَ الْقَاصِّ فَقَالَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ حُكِمَ فِيهَا بِالنُّكُولِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَهَذَا غَلَطٌ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْأَصْحَابُ: وَنَظِيرُ هَذَا اللِّعَانُ، فَإِنَّ الزَّوْجَ إذَا لَاعَنَ لَزِمَ الْمَرْأَةَ حَدُّ الزِّنَا، فَإِنْ لَاعَنَتْ سَقَطَ، وَإِنْ امْتَنَعَتْ لَزِمَهَا الْحَدُّ لَا بِامْتِنَاعِهَا بَلْ بِلِعَانِ الزَّوْجِ، وَإِنَّمَا لِعَانُهَا مُسْقِطٌ لِمَا وَجَبَ بِلِعَانِهِ، فَإِذَا لَمْ تُلَاعِنْ بَقِيَ الْوُجُوبُ وَهَكَذَا الزَّكَاةُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَلَوْ قَالَ الْمَالِكُ: هَذَا الْمَالُ الَّذِي فِي يَدِي وَدِيعَةٌ، وَقَالَ السَّاعِي: بَلْ هُوَ مِلْكٌ لَكَ، فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي الشَّامِلِ وَغَيْرِهِ: أحدهما: أَنَّ دَعْوَاهُ لَا تُخَالِفُ الظَّاهِرَ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ اسْتِحْبَابًا قَطْعًا؛ لِأَنَّ مَا فِي يَدِ الْإِنْسَانِ قَدْ يَكُونُ لِغَيْرِهِ. وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِلظَّاهِرِ وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ، وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ وَغَيْرُهُمْ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

الرابعة: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْرُجَ السَّاعِي لَأَخْذِ زَكَاةِ الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُصَادِفُ إدْرَاكَهَا وَحُصُولَهَا، وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَرِيبًا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاعِي مَنْ يَخْرُصُ لِيَخْرُصَ مَا يَحْتَاجُ إلَى خَرْصِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خَارِصَانِ ذَكَرَانِ حُرَّانِ؛ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي ذَلِكَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

الخامسة: إذَا قَبَضَ السَّاعِي الزَّكَاةَ فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ أَذِنَ لَهُ فِي تَفْرِيقِهَا فِي مَوْضِعِهَا فَرَّقَهَا، وَإِنْ أَمَرَهُ بِحَمْلِهَا حَيْثُ يَجُوزُ الْحَمْلُ إمَّا لِعَدَمِ مَنْ يَصْرِفُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَوْ لِقُرْبِ الْمَسَافَةِ إذَا قُلْنَا بِهِ أَوْ لِكَوْنِ الْإِمَامِ وَالسَّاعِي يَرَيَانِ جَوَازَ النَّقْلِ حَمَلَهَا، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي التَّفْرِقَةِ وَلَا أَمَرَهُ بِالْحَمْلِ فَمُقْتَضَى عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ وُجُوبُ الْحَمْلِ إلَى الْإِمَامِ. وَهَكَذَا هُوَ؛ لِأَنَّ السَّاعِيَ نَائِبُ الْإِمَامِ فَلَا يَتَوَلَّى إلَّا مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ. وَإِذَا أَطْلَقَ الْوِلَايَةَ فِي أَخْذِ الزَّكَوَاتِ لَمْ يَقْتَضِ الصَّرْفَ إلَى الْمُسْتَحِقِّينَ. وَاعْلَمْ أَنَّ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ تَقْتَضِي الْجَزْمَ بِجَوَازِ نَقْلِ الزَّكَاةِ لِلْإِمَامِ وَالسَّاعِي. وَإِنَّ الْخِلَافَ الْمَشْهُورَ فِي نَقْلِ الزَّكَاةِ إنَّمَا هُوَ فِي نَقْلِ رَبِّ الْمَالِ خَاصَّةً وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ، وَقَدْ قَالَ الرَّافِعِيُّ: رُبَّمَا اقْتَضَى كَلَامُ الْأَصْحَابِ طَرْدَ الْخِلَافِ فِي الْإِمَامِ وَالسَّاعِي. وَرُبَّمَا اقْتَضَى جَوَازُ النَّقْلِ لِلْإِمَامِ وَالسَّاعِي التَّفْرِقَةَ حَيْثُ شَاءَ. قَالَ: وَهَذَا أَشْبَهُ، وَهَذَا الَّذِي رَجَّحَهُ هُوَ الرَّاجِحُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْأَحَادِيثُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ وَلَا لِلسَّاعِي بَيْعَ شَيْءٍ مِنْ مَالِ الزَّكَاةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، بَلْ يُوَصِّلُهَا إلَى الْمُسْتَحِقِّينَ بِأَعْيَانِهَا؛ لِأَنَّ أَهْلَ الزَّكَاةِ أَهْلُ رُشْدٍ لَا وِلَايَةَ عَلَيْهِمْ. فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ مَالِهِمْ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ، فَإِنْ وَقَعَتْ ضَرُورَةٌ بِأَنْ وَقَفَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْمَاشِيَةِ أَوْ خَافَ هَلَاكَهُ أَوْ كَانَ فِي الطَّرِيقِ خَطَرٌ، أَوْ احْتَاجَ إلَى رَدِّ جُبْرَانٍ، أَوْ إلَى مُؤْنَةِ النَّقْلِ، أَوْ قَبْضِ بَعْضِ شَاةٍ، وَمَا أَشْبَهَهُ جَازَ الْبَيْعُ لِلضَّرُورَةِ كَمَا سَبَقَ فِي آخِرِ بَابِ صَدَقَةِ الْغَنَمِ أَنَّهُ يَجُوزُ دَفْعُ الْقِيمَةِ فِي مَوَاضِعَ لِلضَّرُورَةِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَوْ وَجَبَتْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت