فهرس الكتاب
ج / 6 ص -97- نَاقَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ شَاةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَيْسَ لِلْمَالِكِ بَيْعُهَا وَتَفْرِقَةُ ثَمَنِهَا عَلَى الْأَصْنَافِ بِلَا خِلَافٍ، بَلْ يَجْمَعُهُمْ وَيَدْفَعُهَا إلَيْهِمْ، وَكَذَا حُكْمُ الْإِمَامِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَخَالَفَهُمْ الْبَغَوِيّ فَقَالَ: إنْ رَأَى الْإِمَامُ ذَلِكَ فَعَلَهُ، وَإِنْ رَأَى الْبَيْعَ وَتَفْرِقَةَ الثَّمَنِ فَعَلَهُ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِذَا بَاعَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَجُوزُ فِيهِ الْبَيْعُ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَيُسْتَرَدُّ الْمَبِيعُ، فَإِنْ تَلِفَ ضَمِنَهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا تَلِفَ مِنْ الْمَاشِيَةِ شَيْءٌ فِي يَدِ السَّاعِي أَوْ الْمَالِكِ إنْ كَانَ بِتَفْرِيطٍ، بِأَنْ قَصَّرَ فِي حِفْظِهَا أَوْ عَرَفَ الْمُسْتَحِقِّينَ وَأَمْكَنَهُ التَّفْرِيقُ عَلَيْهِمْ، فَأَخَّرَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ضَمِنَهَا؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُفَرِّطْ لَمْ يَضْمَنْ كَالْوَكِيلِ، وَنَاظِرِ مَالِ الْيَتِيمِ، إذَا تَلِفَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ بِلَا تَفْرِيطٍ لَا يَضْمَنُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا لَمْ يُفَرِّقْ الزَّكَاةَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ وَلَا عُذْرَ لَهُ حَتَّى تَلِفَتْ عِنْدَهُ، ضَمِنَهَا كَمَا سَبَقَ، قَالَ: وَالْوَكِيلُ بِتَفْرِقَةِ الزَّكَاةِ، لَوْ أَخَّرَ تَفْرِقَتَهَا حَتَّى تَلِفَ الْمَالُ لَمْ يَضْمَنْ، قَالَ: لِأَنَّ الْوَكِيلَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّفْرِيقُ بِخِلَافِ الْإِمَامِ.
فَرْعٌ: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَوْ جَمَعَ السَّاعِي الزَّكَاةَ ثُمَّ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ بِلَا تَفْرِيطٍ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إلَى الْإِمَامِ اسْتَحَقَّ أُجْرَتَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ أَجِيرٌ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَالْبَيَانِ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ صَاحِبِ الْفُرُوعِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَسِمَ الْمَاشِيَةَ الَّتِي يَأْخُذُهَا فِي الزَّكَاةِ؛ لِمَا رَوَى أَنَسٌ رضي الله عنه قَالَ:"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسِمُ إبِلَ الصَّدَقَةِ"وَلِأَنَّ بِالْوَسْمِ تَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهَا فَإِذَا شَرَدَتْ رُدَّتْ إلَى مَوْضِعِهَا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسِمَ [الَّتِي يَأْخُذُهَا فِي زَكَاتِهِ1] الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ فِي أَفْخَاذِهَا؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ صُلْبٌ، فَيَقِلُّ الْأَلَمُ بِوَسْمِهِ، وَيَخِفُّ الشَّعْرَ فِيهِ فَيَظْهَرُ، وَيَسِمُ الْغَنَمَ فِي آذَانِهَا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكْتَبَ فِي مَاشِيَةِ الزَّكَاةِ لِلَّهِ، أَوْ زَكَاةٌ، وَفِي مَاشِيَةِ الْجِزْيَةِ جِزْيَةٌ أَوْ صَغَارٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَسْهَلُ مَا يُمْكِنُ".
الشرح: حَدِيثُ أَنَسٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَلَفْظُهُمَا قَالَ أَنَسٌ"أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ لِيُحَنِّكَهُ: فَوَافَيْتُهُ وَفِي يَدِهِ الْمِيسَمُ يَسِمُ إبِلَ الصَّدَقَةِ"وَفِي رِوَايَةٍ:"يَسِمُ غَنَمًا"
أَمَّا أَحْكَامُهُ وَفُرُوعُهُ فَفِيهِ مَسَائِلُ:
إحداها: قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: يُسْتَحَبُّ وَسْمُ الْمَاشِيَةِ الَّتِي لِلزَّكَاةِ وَالْجِزْيَةِ وَهَذَا الِاسْتِحْبَابُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، وَنَقَلَ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم، قَالَ الْعَبْدَرِيُّ: وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُكْرَهُ الْوَسْمُ؛ لِأَنَّهُ مُثْلَةٌ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْمُثْلَةِ؛ وَلِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ لِلْحَيَوَانِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ، وَبِآثَارٍ كَثِيرَةٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم؛ وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى الْوَسْمِ لِتَمْيِيزِ إبِلِ الصَّدَقَةِ مِنْ إبِلِ الْجِزْيَةِ وَغَيْرِهَا؛ وَلِأَنَّهَا رُبَّمَا شَرَدَتْ فَيَعْرِفُهَا وَاجِدُهَا بِعَلَامَتِهَا فَيَرُدُّهَا؛ وَلِأَنَّ مَنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 لا زلنا نذكر بأن كل ما بين المعقوفين سواء نبهنا بهامش أم لا فإنه ساقط من ش و ق (ط) .