فهرس الكتاب
ج / 6 ص -98- أَخْرَجَهَا يُكْرَهُ لَهُ شِرَاؤُهَا فَلْيُعَرِّفْهَا لِئَلَّا يَشْتَرِيَهَا. وَمِمَّنْ ذَكَرَ هَذَا الْمَعْنَى الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ وَاعْتَمَدَهُ، وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ - وَإِنْ عَرَفَ أَنَّهَا صَدَقَةٌ - لَا يَعْرِفُ كَوْنَهَا صَدَقَتَهُ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ شِرَاءُ صَدَقَتِهِ لَا صَدَقَةِ غَيْرِهِ، وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّهُ إذَا عَرَفَ أَنَّهَا صَدَقَةٌ احْتَاطَ فَاجْتَنَبَهُ، وَقَدْ يَعْرِفُ أَنَّهَا صَدَقَتُهُ لِاخْتِصَاصِ ذَلِكَ النَّوْعِ مِنْ الصَّدَقَةِ بِهِ، وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِحِ. وأما: احْتِجَاجُ أَبِي حَنِيفَةَ بِالْمُثْلَةِ وَالتَّعْذِيبِ فَهُوَ عَامٌّ وَحَدِيثُنَا وَالْآثَارُ خَاصَّةٌ بِاسْتِحْبَابِ الْوَسْمِ، فَخَصَّصَتْ ذَلِكَ الْعُمُومَ وَوَجَبَ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الثانية: قَالَ أَصْحَابُنَا وَأَهْلُ اللُّغَةِ: الْوَسْمُ أَثَرُ كَيَّةٍ، وَيُقَالُ: بَعِيرٌ مَوْسُومٌ وَقَدْ وَسَمَهَ وَسْمًا وَسِمَةً. وَالْمِيسَمُ الشَّيْءُ الَّذِي يُوسَمُ بِهِ. وَجَمْعُهُ مَيَاسِمُ وَمَوَاسِمُ. وَأَصْلُهُ مِنْ السِّمَةِ وَهِيَ الْعَلَامَةُ، وَمِنْهُ مَوْسِمُ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ مُعَلَّمٌ يَجْمَعُ النَّاسَ، وَفُلَانٌ مَوْسُومٌ بِالْخَيْرِ وَعَلَيْهِ سِمَةُ الْخَيْرِ أَيْ عَلَامَتُهُ. قَالَ أَصْحَابُنَا: يُسْتَحَبُّ وَسْمُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فِي أُصُولِ أَفْخَاذِهَا، وَالْغَنَمِ فِي أَذَانِهَا لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، فَلَوْ وَسَمَ فِي غَيْرِهِ جَازَ إلَّا الْوَجْهَ فَمَنْهِيٌّ عَنْ الْوَسْمِ فِيهِ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ": رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِمَارًا مَوْسُومَ الْوَجْهِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ": نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الضَّرْبِ فِي الْوَجْهِ، وَعَنْ الْوَسْمِ فِي الْوَجْهِ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ جَابِرٍ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَرَّ عَلَى حِمَارٍ قَدْ وُسِمَ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ:"لَعَنَ اللَّهُ الَّذِي وَسَمَهُ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَاخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ أَصْحَابِنَا فِي كَيْفِيَّةِ النَّهْيِ عَنْ الْوَسْمِ فِي الْوَجْهِ فَقَالَ الْبَغَوِيّ: لَا يَجُوزُ الْوَسْمُ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ: الْوَسْمُ عَلَى الْوَجْهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِالِاتِّفَاقِ، وَهُوَ مِنْ أَفْعَالِ الْجَاهِلِيَّةِ. وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: يُكْرَهُ، وَالْمُخْتَارُ التَّحْرِيمُ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْبَغَوِيّ، وَهُوَ مُقْتَضَى اللَّعْنِ، وَقَدْ ثَبَتَ اللَّعْنُ فِي الْحَدِيثِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الثالثة: يَنْبَغِي أَنْ يُمَيِّزَ بَيْنَ سِمَةِ الزَّكَاةِ وَالْجِزْيَةِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُكْتَبَ فِي مَاشِيَةِ الْجِزْيَةِ جِزْيَةٌ أَوْ صَغَارٌ. وأما: مَاشِيَةُ الزَّكَاةِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، أَوْ زَكَاةٌ، أَوْ لِلَّهِ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ عَلَى أَنَّهُ يُكْتَبُ لِلَّهِ، وَصَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ وَابْنُ كَجٍّ وَالدَّارِمِيِّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَالْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَخَلَائِقُ آخَرُونَ، قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ: يُكْتَبُ صَدَقَةٌ أَوْ زَكَاةٌ، قَالَ: فَإِنْ كُتِبَ عَلَيْهَا لِلَّهِ كَانَ أَبْرَكَ وَأَوْلَى. قَالَ الرَّافِعِيُّ: نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى كِتَابَةِ لِلَّهِ، قَالَ: وَاسْتَبْعَدَهُ بَعْضُ مَنْ شَرَحَ الْوَجِيزَ وَبَعْضُ مَنْ شَرَحَ الْمُخْتَصَرَ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ؛ لِأَنَّ الدَّوَابَّ تَتَمَعَّكُ وَتَضْرِبُ أَفْخَاذَهَا بِأَذْنَابِهَا وَهِيَ نَجِسَةٌ وَيُنَزَّهُ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْهَا. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ إثْبَاتَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى هُنَا لِغَرَضِ التَّمْيِيزِ وَالْإِعْلَامِ، لَا عَلَى قَصْدِ الذِّكْرِ قَالَ: وَيَخْتَلِفُ التَّعْظِيمُ وَالِاحْتِرَامُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمَقْصُودِ؛ وَلِهَذَا يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَلَوْ أَتَى بِبَعْضِ أَلْفَاظِهِ لَا عَلَى قَصْدِ الْقِرَاءَةِ لَمْ يَحْرُمْ، هَذَا كَلَامُ الرَّافِعِيِّ.
الرابعة: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ وَالْأَصْحَابُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ سِمَةُ الْغَنَمِ أَلْطَفَ مِنْ سِمَةِ الْبَقَرِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَسِمَةُ الْبَقَرِ أَلْطَفُ مِنْ سِمَةِ الْإِبِلِ وَدَلِيلُهُ ظَاهِرٌ