فهرس الكتاب

الصفحة 2141 من 4102

ج / 6 ص -123- كِتَابِهِ التَّجْرِيدِ: لَا يُعْطَى إذَا كَانَ لَهُ كَسْبٌ يُؤَدِّي مِنْهُ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ إذَا اسْتَحَقَّ الْكَسْبَ وَصَارَ حَامِلًا مَالًا عَتِيدًا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَسَهْمٌ لِلْغَارِمَيْنِ وَهُمْ ضَرْبَانِ: ضَرْبٌ غَرِمَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، ضَرْبٌ غَرِمَ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَضَرْبَانِ أحدهما: مَنْ تَحَمَّلَ دِيَةَ مَقْتُولٍ فَيُعْطَى مَعَ الْفَقْرِ وَالْغِنَى؛ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلَّا لِخَمْسَةٍ: لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ لِغَارِمٍ، أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ لِرَجُلٍ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتَصَدَّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ فَأَهْدَى الْمِسْكِينُ إلَيْهِ"والثاني: مَنْ حَمَلَ مَالًا فِي غَيْرِ قَتْلٍ لِتَسْكِينِ فِتْنَةٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أحدهما: يُعْطَى مَعَ الْغِنَى؛ لِأَنَّهُ غُرْمٌ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَأَشْبَهَ إذَا غَرِمَ دِيَةَ مَقْتُولٍ. والثاني: لَا يُعْطَى مَعَ الْغِنَى؛ لِأَنَّهُ مَالٌ حَمَلَهُ فِي غَيْرِ قَتْلٍ، فَأَشْبَهَ إذَا ضَمِنَ ثَمَنًا فِي بَيْعٍ. وَأَمَّا مَنْ غَرِمَ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَنْفَقَ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، دُفِعَ إلَيْهِ مَعَ الْفَقْرِ، وَهَلْ يُعْطَى مَعَ الْغِنَى؟ فِيهِ قَوْلَانِ. قَالَ فِي الْأُمِّ: لَا يُعْطَى؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ لِحَاجَتِهِ إلَيْنَا، فَلَمْ يُعْطَ مَعَ الْغِنَى كَغَيْرِ الْغَارِمِ. وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ وَالصَّدَقَاتِ مِنْ الْأُمِّ: يُعْطَى؛ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، فَأَشْبَهَ إذَا غَرِمَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنْ غَرِمَ فِي مَعْصِيَةٍ لَمْ يُعْطَ مَعَ الْغِنَى، وَهَلْ يُعْطَى مَعَ الْفَقْرِ؟ يُنْظَرُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مُقِيمًا عَلَى الْمَعْصِيَةِ لَمْ يُعْطَ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَإِنْ تَابَ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أحدهما: يُعْطَى؛ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ قَدْ زَالَتْ والثاني: لَا يُعْطَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْمَعْصِيَةِ، وَلَا يُعْطَى الْغَارِمُ إلَّا مَا يَقْضِي بِهِ الدَّيْنَ، فَإِنْ أَخَذَ وَلَمْ يَقْضِ بِهِ الدَّيْنَ أَوْ أُبْرِئَ مِنْهُ أَوْ قَضَى قَبْلَ تَسْلِيمِ الْمَالِ أَوْ اسْتَرْجَعَ مِنْهُ، وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ غَارِمٌ لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، فَإِنْ صَدَّقَهُ غَرِيمُهُ فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْمُكَاتَبِ إذَا ادَّعَى الْكِتَابَةَ وَصَدَّقَهُ الْمَوْلَى".

الشرح: هَذَا الْحَدِيثُ حَسَنٌ أَوْ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقَيْنِ أحدهما: عَنْ عَطَّاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم والثاني: عَنْ عَطَّاءٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلًا وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ فِي الطَّرِيقَيْنِ، وَجَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ طُرُقَهُ وَفِيهَا أَنَّ مَالِكًا وَابْنَ عُيَيْنَةَ أَرْسَلَاهُ، وَأَنَّ مَعْمَرًا وَالثَّوْرِيَّ وَصَلَاهُ وَهُمَا مِنْ جُمْلَةِ الْحُفَّاظِ الْمُعْتَمَدِينَ، وَقَدْ تَقَرَّرَتْ الْقَاعِدَةُ الْمَعْرُوفَةُ لِأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْأُصُولِ أَنَّ الْحَدِيثَ إذَا رُوِيَ مُتَّصِلًا وَمُرْسَلًا كَانَ الْحُكْمُ لِلِاتِّصَالِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ، وَقَدَّمْنَا أَيْضًا عَنْ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه أَنَّهُ يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ إذَا اعْتَضَدَ بِأَحَدِ أَرْبَعَةِ أُمُورٍ: (إمَّا) حَدِيثٌ مُسْنَدٌ (وَإِمَّا) مُرْسَلٌ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ (وَإِمَّا) قَوْلُ صَحَابِيٍّ (وَإِمَّا) قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَهَذَا قَدْ وُجِدَ فِيهِ أَكْثَرُ، فَقَدْ رُوِيَ مُسْنَدًا وَقَالَ بِهِ الْعُلَمَاءُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ.

وأما: الْغَارِمُ فَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَالْغَرِيمُ يُطْلَقُ عَلَى الْمَدِينِ وَعَلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ، وَأَصْلُ الْغُرْمِ فِي اللُّغَةِ اللُّزُومُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: َّ {إنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} [لفرقان:65] . وَسُمِّيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَرِيمًا لِمُلَازَمَتِهِ صَاحِبَهُ. وَقَوْلُهُ: لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: مَعْنَاهُ لِإِصْلَاحِ حَالَةِ الْوَصْلِ بَعْدَ الْمُبَايَنَةِ، قَالَ: وَالْبَيْنُ يَكُونُ فُرْقَةً وَيَكُونُ وَصْلًا وَهُوَ هُنَا وَصْلٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } [الأنعام: من الآية94] أَيْ وَصْلُكُمْ، وَقَوْلُهُمْ فِي الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ أَصْلِحْ ذَاتَ الْبَيْنِ أَيْ أَصْلِحْ الْحَالَ الَّتِي بِهَا تَجْتَمِعُ الْمُسْلِمُونَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت